الاقتصاد والأخلاق.. الرأسمالية ليست الخيار الوحيد

نشرت صحيفة yes magazine”” الأمريكية مقالا للكاتب بين لوه، محاضر بارز في جامعة تافتس للسياسات الحضرية والتخطيط بمدينة بوسطن الأمريكية، يوضح فيه كيف أفقدت الرأسمالية النشاط الاقتصادي الجانب التعاوني والأخلاقي.

وأشار الكاتب إلى أن الرأسمالية جعلت الاقتصاد آلة خاصة بذاتها يغذيها الربح والمنافسة دون مراعاة لمدى إنهاك الفرد والمجتمع والبيئة.

وأكد بين لوه، أن الرأسمالية ليست الخيار الوحيد، وأن الأفضل هو السعي من أجل إعادة توجيه الموارد العامة نحو الاقتصاديات التعاونية وتعزيز نقاط التميز المحلية.

إليكم نص المقال:

منذ تفكك الكتلة السوفيتية وتحول الصين نحو الأسواق الحرة، أعلن العديد من الاقتصاديين عصرا أبديا تهيمن فيه الرأسمالية كشكل من أشكال الاقتصاد، وكانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر، قد قالت: في كثير من الأحيان لا يوجد بديل للاقتصاد النيوليبرالي المعولم.

منذ ذلك الحين انطلق الأفراد يتنافسون في الأسواق الحرة للحصول على ما يمكنهم الحصول عليه، لكن الكثيرين (نسبة 99%) لا يشعرون بالسعادة أو الأمن حول نتائج هذا الاقتصاد، الكثير يعمل بجد ولفترة أطول لمجرد الحفاظ على السكن وتوفير الطعام على الطاولة.

إذن، هل نحن محاصرون في مصيدة الرأسمالية؟ في حين أن العديد منا قد يرغب في اقتصاد جديد يتم فيه إعطاء الأولوية للأفراد والكوكب قبل الربح، نحن لا نزال متشككين في أن وجود اقتصاد آخر هو أمر ممكن حقا.

إننا نحقق بعض التقدم محليا ولكننا نشعر بعدم القدرة على التأثير على المستوى الوطني والعالمي، وغالبا ما يكون مفهوم “الاقتصاد” مساويا للأسواق التي تتنافس فيها الشركات على تحقيق الأرباح للفئة الأغنى التي تمثل 1% وباقي الـ99% يعملون مقابل أجر أو راتب، أو لا يكسبون المال على الإطلاق.

في هذا النوع من الاقتصاد الرأسمالي يتم قياس قيمة العمل فقط من حيث مقدار المال الذي يحققه، وبناء على معايير العرض والطلب في السوق. العقلية الرأسمالية تفصل أيضا الاقتصاد عن المجتمع والطبيعة، وكأنها تسير بمعزل عن الناس، المجتمعات، الحكومة، البيئة والكوكب، فالاقتصاد هو آلة خاصة بذاتها يغذيها الربح والمنافسة.

إعادة تعريف

من أجل الهروب من هذه النزعة الرأسمالية، نحتاج إلى توسيع نطاق تعريف الاقتصاد بما يتجاوز الرأسمالية.. ماذا لو كان الاقتصاد هو كل الطرق التي تلبي احتياجاتنا المادية وفي نفس الوقت تضمن أخلاقيات رعاية بعضنا البعض؟

في الواقع، فإنه في ظل هذا الاقتصاد الرأسمالي الرسمي هناك أنواع من الاقتصاديات غير الرأسمالية مزدهرة، وهي تلك التي لا يكون فيها دافع للربح وليس بها تبادلات سوقية, وهذه تشمل مهام نقوم بها يوميا مثل رعاية أطفالنا وتقديم الدعم للأصدقاء، وهذه طرق لتلبية احتياجاتنا المادية ورعاية بعضنا البعض.

بالنسبة للكثيرين، هذه الاقتصاديات، التي تعزز التعاون والتضامن المحلي وتتجذر فيها قيم العدالة بدلا من تحقيق أقصى قدر من الربح، هي اقتصاديات غير معترف بها بوصفها “اقتصاد”؛ هي مجرد طرق كيف نعيش حياتنا. التفكير الرأسمالي يعمينا عن هذه الأنشطة الاقتصادية التي تجعل الحياة ذات مغزى.

كما أن توسيع تعريف الاقتصاد أمر هام للغاية.. الاقتصاد ليس مجرد شيء يحدث لنا، ليس بحرا إما نسبح فيه أو نغرق، بل نحن جميعا جزء من اقتصاديات متعددة، بعضها نحن الجهات الفاعلة الرئيسية فيها – مثل اقتصاديات الأسر المعيشية – والبعض الآخر نحن مفعول به – مثل أسواق رأس المال الاستثمارية.

الاعتراف بهذه الاقتصاديات المتنوعة ورفع الحجاب عن المركزية الرأسمالية يسمح لنا برؤية أن هناك خيارات ينبغي اتخاذها تتجاوز مسألة المال، حيث يتعين فيها مراعاة جانب الأخلاق والقيم. على سبيل المثال، قد أدفع المزيد المال لمزارع محلي ينمو بشكل مستدام بدلا من مورد بعيد يستغل عمال المزارع ويستخدم مبيدات الآفات.

ھل أعمل من أجل ربح یمتلكه مساھمون أم لشرکة مساهمة مملوکة للعمال؟ هل ينبغي استخدام أراضي الدولة العامة لبناء شقق فاخرة أو شقق سكنية بأسعار معقولة؟ هذه الأسئلة تفتح المجال لنا جميعا للمشاركة في تشكيل عالمنا والمستقبل الاقتصادي للـ99%.

الاقتصاد التعاوني

عبر الولايات المتحدة، من ميسيسيبي إلى أوكلاند في كاليفورنيا؛ في المناطق الريفية في كنتاكي وفي جميع أنحاء المدن الكبرى في ماساتشوستس، غالبا ما تقوم المجتمعات المحلية والأماكن الفقيرة ببناء اقتصاديات تعاونية (تكافلية) على أساس هذه الأسئلة.

هذا ليس جديدا. في الواقع، هذا هو المكان الذي تم فيه ابتكار الاقتصاد التعاوني (الاستراتيجيات الجماعية للبقاء) انطلاقا من ضرورة. الرغبة في إحداث تغيير عميق لا تأتي فقط من هؤلاء غير الراضين عن اقتصاد الرأسمالية السائد، بل أكثر من المجتمعات التي أصبحت تكافح من أجل البقاء والتي يجري تشريدها لإفساح الطريق للـ1%.

في مدينة سبرينجفيلد، ثالث أكبر مدينة في ولاية ماساتشوستس، هناك مبادرة “ويلسبرينج” لبناء شبكة من التعاونيات المملوكة للعاملين لخلق فرص عمل محلية وبناء ثروة للسكان ذوي الدخل المنخفض والعاطلين عن العمل.

تأسست مبادرة “ويلسبرينغ” في عام 2011 مستوحاة من تعاونيات “كليفلاند إيفرغرين” في ولاية أوهايو، التي أنشأت شبكة من الشركات المملوكة للعاملين لتوفير السلع والخدمات لمؤسسات موجودة وعاملة بالفعل في المنطقة، وأظهرت إحدى الدراسات أن المؤسسات الموجودة في المدينة تشتري بأقل من 10% من الشركات المحلية. مبادرة “ويلسبرينغ” هي مثال واحد فقط على الاقتصاديات التعاونية التي تظهر في ماساتشوستس.

وفى مدينة ورسستر، ثاني أكبر مدينة في ولاية ماساتشوستس، يقوم تحالف التضامن والاقتصاد الأخضر بمحاولة خلق عالم جديد تكون فيه الأولوية للناس والبيئة قبل الربح من خلال أكثر من 10 تعاونيات، كما يقوم بمطابقة مهارات المقيمين لتلبية احتياجات المجتمع المحلي، مثل معالجة التربة وإنتاج العسل، ويقدم آخرون خدمات مثل الترجمة، وإنتاج الفيديو، وحفظ الدفاتر.

وفي حى دورشستر في بوسطن، ظهر اقتصاد تعاوني في مجال الغذاء يشمل جمعية أغذية استهلاكية وشركة إعادة تدوير المواد العضوية مملوكة للعاملين، وهي تدعم تعاونيات الشركات الناشئة في مجال رعاية الأطفال والخياطة والتنظيف.

الوعي والسلطة والاقتصاد

ومع ذلك، هذه الاقتصاديات هي أكثر من مجرد تعاونيات، إنها حركة للعدالة الاجتماعية، هي محاولة لتغيير وعينا ليس فقط للكشف عن الأسباب الجذرية، بل أيضا لتوسيع رؤيتنا لما هو ممكن تحقيقه من أجل عالم أفضل اقتصاديا وأخلاقيا.

هي تقوم ببناء القوة والسلطة ليس فقط لمقاومة وإصلاح الظلم وعدم الاستدامة التي تنتجها النظم الاقتصادية الحالية، ولكن في نهاية المطاف للسيطرة ديمقراطيا وإدارة الموارد السياسية والاقتصادية للحفاظ على صالح الناس والكوكب قبل أي شيء.

هي تخلق بدائل اقتصادية ونماذج أولية لإنتاج وتبادل واستهلاك واستثمار بطرق أكثر عدلا واستدامة وديمقراطية، لذلك، إذا أردنا التحول إلى ما هو أبعد من الرأسمالية، فعلينا أن نواجهها في كل هذه الأبعاد الثلاثة: الوعي والسلطة والاقتصاد.

ليس لدينا رفاهية خلق اقتصاديات تعاونية في الفراغ، بل علينا أن نضعها موضع التنفيذ الآن في بلادنا وفي مجتمعاتنا المحلية، بصرف النظر عن صغر نطاقها وحجمها، في الوقت نفسه، يمكننا العمل مع الآخرين لبناء بدائل أكبر إلى جانب العمل الجاد لإصلاح النظم السياسية والاقتصادية والأيديولوجية التي تجعل الحياة صعبة جدا بالنسبة للكثيرين.

يمكن للجميع أن يعيشوا في تضامن بأية طريقة ممكنة لأن هذه هي القوة التحويلية للاقتصاديات التعاونية، فهي تحتاج إلى توسيع نطاقها من خلال بناء منظمات وأنظمة أكبر وأكبر، ويمكن أن يزداد هذا العدد من قبل العديد من الناس في العديد من الأماكن التي تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وسيتطلب ذلك الضغط من أجل حكومة تفكك الأنظمة التي تغول الرأسمالية وإعادة توجيه الموارد العامة نحو الاقتصاديات التعاونية وتعزيز نقاط التميز المحلية.