الأقصى بين الحقائق ودعاوى الإرجاف (3)

يقف المسجد الأقصى المبارك وسط البلدة القديمة شاهدا على تعاقب كثير من الشعوب والحضارات على الأرض المقدسة- وقد تركت آثارها على جداره العتيق وأسواره وأبوابه الموغلة في القدم، وكما بينا فإن المرجح أن المسجد وُضع بعد المسجد الحرام بأربعين عاما على يد آدم عليه السلام.. ومنذ ذلك الحين، تتابعت يد العمران على الأقصى، حتى طوفان نوح عليه السلام، ويدل وجود آثار الفترة اليبوسية التي يعود تاريخها لأكثر من 3000ق.م في السور الجنوبي للمسجد على أن الأقصى كان قائما بالفعل حتى قبل البعثة الإبراهيمية.

يذهب كثير من الباحثين إلى أن اليبوسيين قد عرفوا التوحيد، وكان من آثار ذلك حرصهم على مجاورة المسجد الاقصى، كما تذكر التوراة أن ملكهم “ملكي صادق” أحسن استقبال الخليل عليه السلام عندما دخل المدينة المقدسة في نحو عام1900ق.م.. وتروي بعض الروايات التي لا نجد ما يدحضها أن إبراهيم عليه السلام دخل إلى موضع المسجد الذي كان قد اندرست معالمه بفعل الطوفان؛ فصلى فيه، ثم جاءه الأمر الإلهي بأن يرفع قواعده من جديد كما فعل بالبيت الحرام هو وابنه إسماعيل عليهما السلام.

لقد اتخذ إبراهيم الخليل المدينة المقدسة، وفي القلب منه المسجد الاقصى مركزا للدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك، وسار على نهجه أبناؤه إسحق ويعقوب والأنبياء من بعدهم، وقد تعهدوا المسجد بالإجلال والتكريم والعناية الواجبة.. ثم جاء حكم الرعاة الذي امتد لنحو قرنين بعد أن استوطنوا شرق مصر، وامتد سلطانهم إلى فلسطين، وكان ظهور النبي يوسف عليه السلام في مصر، وتوليه أعلى المناصب في الدولة التي يرجح المؤرخون أنها دولة الرعاة (الهكسوس) إيذانا بانتقال يعقوب وبنيه إلى مصر، وتركهم للأرض المقدسة لظروف الجدب التي امتدت لسنوات، وكادت أن تتسبب في فناء خلق كثير.

في العام 1550 ق.م استطاع أحمس الأول القائد المصري العظيم هزيمة الهكسوس، وطردهم من مصر، وتأسيس الدولة المصرية الثالثة، والتي اعتبرت أقوى الممالك القديمة، وقد امتد سلطانها إلى هضبة الأناضول شمالا، وآخر حدود القرن الإفريقي جنوبا، وقد خضعت المدينة المقدسة للحكم المصري طوال هذه الفترة.

ثم كان ظهور موسى وأخيه عليهما السلام في مصر، وخروجهما ببني إسرائيل، وما أعقب ذلك من سنوات التيه التي امتدت أربعين سنة، لامتناعهم عن الامتثال لأمر الله بدخول الأرض المقدسة.. وتشير رسائل تل العمارنة إلى مكاتبات جرت بين الدولة المصرية، والحاكم المعين من قبلها على أرض كنعان “عبد هيبا” إلى ضرورة تأمين الدولة لحدودها بعد أن تكررت محاولات الهجوم عليها من جانب الحيثيين، والعبرانيين، وفلول الهكسوس.. وقد تزامن مع ذلك بدء تدفق قبائل “بلستيا” من جزيرة كريت في بحر إيجه على الأرض المقدسة، وقد اندمج هؤلاء مع اليبوسيين والكنعانيين مكونين شعب الأرض المقدسة، وإن كانت عقائدهم قد شابها الزيغ بعد اندثار الملة الحنيفية فيهم.

بدأت قصة داود عليه السلام مع المدينة المقدسة في نحو 1000ق.م بعد أن دخلها فتحا واتخذها عاصمة لمملكته التي امتد عمرها في عهده وعهد ولده سليمان عليه السلام نحو ثمانين عاما على أقصى التقديرات.. وكان هذا النصر والفتح هو ثمرة طاعة بني إسرائيل لأوامر ربهم، لكنهم ما لبثوا أن عادوا إلى طبيعتهم التي جبلت على المروق والعصيان.

بعد موت سليمان قسمت المملكة إلى قسمين: “يهوذا” وعاصمتها “أورشاليم” وإسرائيل وعاصمتها شكيم (نابلس الحالية) وكان دمار المدينة المقدسة على يد نبوخذ نصّر عام 587ق.م بمثابة الدمار الأول للمسجد الأقصى الذي أعقبه تدمير آخر عام 332 ق.م حين تمكن الإسكندر المقدوني من السيطرة على فلسطين، ليبتدأ عهد الإغريق في المنطقة 332 ق.م – 64 ق.م، فتأرجح وضع اليهود بين مد وجزر، حتى كان عهد الملك السلوقي أنطيوخس الرابع (175 ق.م – 164 ق.م)، فدمر الهيكل ، ونهب كل ما فيه ، وأجبر اليهود على اعتناق الوثنية الإغريقية حتى اندلعت ثورة اليهود المكابيين .

في عام63 ق.م. احتل الرومان فلسطين، وأعيد بناء المعبد على يد هيرودس الملك تهدئة لأوضاع اليهود الثائرين بالمدينة المقدسة، واستمر هذا الوضع قائما بالنسبة للمسجد حتى عهد ظهور الأنبياء الثلاثة زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام.

وليس أدل على فجر يهود هذا العصر واستهانتهم بالحرمات من قتلهم نبي الله زكريا، وتحريضهم الملك على نبي الله يحيى حتى قتله، كما تآمروا على المسيح، وأحبط الله كيدهم، مما يجعلهم أبعد الناس عن حماية المقدسات، ليكون ادعاؤهم بنسبة المسجد إليه محض افتراء، بعد أن هدموا بنيان الله بقتلهم خير أنبيائه.

وقد تنبأ المسيح عليه السلام بخراب المدينة المقدسة ودمار المسجد، وهو ما حدث في نحو عام 70م على يد الإمبراطور (طيطس) الذي أقدم على إحراق المدينة المقدسة، وتدمير المعبد الذي أقامه هيرودس، ولم يبق فيه حجر على حجر، ولكنه أبقى الحطام مكانه، ليأتي بعده طاغية آخر هو (أدريانوس) الذي أزال معالم المدينة وحطام الهيكل، وأقام مكانه معبدا وثنيا سماه (جوبيتار) على اسم (كبير الآلهة) عند الرومان، وكان ذلك سنة 135م.. وقد دمر هذا المعبد الوثني على يد المسيحين على عهد الإمبراطور قسطنطين. وظل الموضع المقدس خاليا إلى أن تم الفتح الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب عام 636م وبدأ البناء بالمسجد العمري، كما بينا سلفا ثم تتابع البناء على البقعة المطهرة في العهود الإسلامية المتعاقبة.

إن المسجد الأقصى المبارك هو رمز تلك الامة، وشعار وحدتها وصمودها في مواجهة التحديات؛ لذلك فإن قضيته لا تقبل التمييع، ولا تحتمل التشكيك الذي يروج له البعض بالألسنة المعسولة التي تحمل السم.. ولاشك أن الأيام القادمة ستشهد مزيدا من محاولات التهويد للمدينة المقدسة، بانتزاع أجزاء من المسجد، وضمها للمقدسات اليهودية بمزاعم لا يقوم عليها دليل.. وما يؤكد ذلك أن الحفريات التي تجاوز عمرها النصف قرن ماز الت تأتي بنتائج مخزية لا يجرؤ الصهاينة على إعلانها، حتى لا يكونوا مثار سخرية العالم.. فما هم في حقيقتهم إلا نقطة سوداء في ثوب الأرض المقدسة سرعان ما تزول بحتمية التاريخ التي تأبى الزيف والتدليس.