الأقصى بين الحقائق ودعاوى الإرجاف (2)

حائط البراق بالمسجد الأقصى المبارك

تتعدد دعاوى الإرجاف ويكثر المرجفون بشأن كل ما هو فلسطيني؛ ولا تخفى البواعث الخبيثة على كل ذي عقل، وإذا كانت النتيجة التي تفضي إليها كل الأبحاث العلمية الجادة التي تعتمد صرامة المنهج التاريخي تؤكد تهافت تلك الدعاوى، وتدحض كل فرية مزعومة تتدثر بها؛ فليس من التجني في قليل أو كثير أن نقول أن وراء هؤلاء المرجفين أياد صهيونية تحرك تلك الدُّمى الرخيصة بغية التزييف والتعمية على الحقائق الناصعة التي قعد أهلها عن الانتصار لها على الوجه الواجب.

عن أَبَي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ “أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ”، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الأقْصَى”، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ” (صحيح البخاري 3115).

اختلفت الأقاويل حول من بنى المسجد الأقصى بين قائل أن الملائكة هم من بنوه، وذاهب إلى أن آدم –عليه السلام- هو من بناه، مع وجود رأي أن ابنه شيث –عليه السلام- هو من يعود إليه هذا الفضل، ويستدل البعض بزيارة إبراهيم- عليه السلام- للملك اليبوسي “ملكي صادق” على أنه هو من بناه.. ولا يلتفت الكثيرون إلى أن المسجد (اسم مكان) هو موضع السجود، وإنما سُمَّي المسجد مسجدا، لأن السجود هو أشرف أفعال الصلاة لأن العبد أقرب ما يكون إلى الله تعالى وهو ساجد.. والموضع مشرف ومقدس باختياره من الله تعالى بأن يكون مركز البركة الربانية على الأرض ” …الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” لذلك فإن دعاوى الإرجاف القائلة بأن المسجد لم يكن موجودا عندما دخل عمر بن الخطاب المدينة المقدسة، وإلا لكان قد توجه للصلاة فيه رأسا، دون الحاجة للصلاة في الموضع الذي صلى فيه بعد أن خرج من كنيسة القيامة، ثم سؤاله لكعب الأحبار عن موضع الصخرة “فأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه، فقال: ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك وسخَّر أهل الأردن في نقل بقيتها”.. تخلط –تلك الدعاوى- عن عمد واضح بين المسجد الموضع (البقعة المباركة) الذي لم يتغير أو يتبدل أو تتقلص مساحته منذ عينه رب العالمين لآدم والأنبياء من بعده مكانا للعبادة والتقرب إليه سبحانه “… الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ” وهو يشمل كما بينا كل المعالم الموجودة داخل السور، والتي تربو على المئتي معلم، وبين البناء المتخذ للصلاة الذي أقيم عدة مرات في أكثر من موضع داخل المسجد البالغة مساحته 144ألف متر مربع لم تزد أو تنقص منذ البدء، ومن المعروف أن البناء قد هدم واقيم ثم هدم واندرست معالمه ثم أقيم وهدم مرات عدة لكثرة ما لاقته المدينة المقدسة من ويلات الدمار على أيدي الغزاة.

ولأن دحض تلك الأراجيف المتعلقة بالبناء والموضع قاطع ولا يمكن الصمود أمامه، حاول البعض الترويج لدعاوى أشد سذاجة حول أن “الأقصى” المقصود في سورة الإسراء هو مسجد في الجزيرة العربية يبعد عن مكة بنحو ستين كيلو متر أي في مدينة الطائف أو بالقرب منها، ويشير د. محمد عمارة إلى أن هذه الفرية قد أثيرت عام 2009م على لسان صهيوني يدعى ” موردخاي كيدار” يعمل أستاذا بجامعة “بارإيلان” بمدينة “رمات غان” شرق تل أبيب.. إذ قال: “… على المسلمين أن يحملوا أحجار قبة الصخرة إلى مكة لأن المسجد الأقصى مكانه “الجعرانة” بين مكة والطائف وكان يصلي فيه الرسول (محمد) أحيانا, وأحيانا أخرى في المسجد الأدنى القريب منه”.

وهذا الزعم لا يقوم عليه أي دليل لأن هذا المسجد لو كان موجودا حقا لكانت له مكانة عظيمة في الإسلام، ناهيك عن أن الرسول عندما ذهب إلى الطائف كان من أهلها ما كان من أمر إيذائه، فهل يعقل أنه أقام مسجدا في ذلك الموضع، وإن كان قد حدث فكيف أغفل ذكره، وقد سجلت كتب السيرة تفاصيل رحلة الطائف بدقة بالغة.

وقد يستخدم البعض تعدد أسماء المدينة المقدسة عبر العصور في محاولة يائسة لإثبات أنها ليست مدينة عربية إسلامية؛ حتى يتسنى لهم من خلال تلك الكذبة محو الهوية الإسلامية عن المسجد الأقصى المبارك، وتأكيد أن الموضع المبارك كان للهيكل المزعوم الذي لم يعثر له على أثر رغم قرابة نصف قرن من الحفريات تحت المسجد الأقصى.. والثابت أن دولة داود وسليمان -عليهما السلام- التي اتخذت بيت المقدس عاصمة لها لم تدم سوى سبعين سنة، بينما يعود بناء الجدار الجنوبي للمسجد الذي بناه اليبوسيون العرب إلى نحو 3000ق.م.

إن حال المسجد الأقصى المبارك الآن يمنحنا رسالة صمود وإيمان بأن الحق منتصر لا محالة وإن تعالت قوى البغي، فرغم حال الضعف البادية والمتمثلة في الحصار وعمليات التهويد وتزييف التاريخ، إلا أن كل ذلك لن يغير من الحقيقية التي تتأكد كل يوم بسيل الدماء الطاهرة التي تراق في سبيل الدفاع عنه وعن غيره من مقدساتنا الإسلامية في فلسطين.

 

خريطة توضح الكنس اليهودية التي تقيمها سلطات الاحتلال حول المسجد الأقصى

وتحاول سلطات الاحتلال تهويد البلدة القديمة بالاستيلاء على المقدسات الإسلامية وإقامة الكنس اليهودية فوق أنقاضها أو تغيير معالمها وإضفاء الطابع اليهودي عليها ، وقد رصدت مؤسسة الأقصى مخططا لبناء 60 كنيسا يهوديا حول المسجد تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، ورغم ذلك فقد اتخذت لجنة البرامج والعلاقات الخارجية في المجلس التنفيذي لمنظمة اليونيسكو قرارا في 14 أكتوبر 2016، جاء فيه أن المنظمة تعتبر المسجد الأقصى أحد المقدسات الإسلامية، بدون ذكر وجود أي علاقة تاريخية بين اليهود والمسجد، مستنكرة اقتحامه المتكرر من قبل بعض المتطرفين الصهاينة ومن قبل قوات الجيش الصهيوني. وقد جاء هذا القرار استجابةً لمشروع تم تقديمه من قبل الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وعمان وقطر والسودان.

سيظل المسجد الأقصى المبارك جذوة نضال متقدة تجسد رمزا عظيما للحق الذي لا يضيع أبدا مهما تكالب عليه الأعداء، ومهما تخاذل عن نصرته المتخاذلون، ومهما أرغى دعاة الإرجاف وأزبدوا حوله”…وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”.