الأقصى بين الحقائق ودعاوى الإرجاف (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يحتل المسجد الأقصى المبارك مكانة عظيمة لدى معظم المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ فهو كما يرددون-دائما- أولى القبلتين وثالث الحرمين؛ لكن غالبية هؤلاء يجهلون إلى حد بعيد أبسط المعلومات عن المسجد الأقصى؛ فتراهم يخلطون بين مسجد قبة الصخرة ذي القبة الذهبية، والمسجد القِبْلي ذي القبة السوداء، والحقيقة أن كليهما يقع داخل حدود المسجد الأقصى الذي يشملهما كما يشمل حوالي مئتين من المعالم التاريخية هي عبارة عن عدد من الأبنية والقباب والمحاريب والمساطب والسبل والآبار، كما يضم المسجدُ: المُصَلَّى المرواني الواقع تحت أرضية المسجد الاقصى من الناحية الجنوبية الشرقية، والأقصى القديم الموجود تحت المسجد القبلي، وقد بًُني في العهد الأموي كمدخل ملكي يتصل بالقصور الواقعة إلى جنوب الأقصى، ومسجد البراق ويقع تحت أرضية المسجد الأقصى عند حائط البراق، وسبيل قايتباي والمدرسة الأشرفية، وغيرها من المعالم.

يشير الدكتور عبد الله معروف عمر في كتابه “المدخل إلى دراسة المسجد الأقصى المبارك” إلى خطورة أن يغيّب الجانب العلمي في علاقة المسلمين بالمسجد الأقصى لتقتصر على الجانب العاطفي، كما يطغى الجانب السياسي على أحاديث المسلمين عن المسجد الأقصى المبارك على حساب دراسة الجوانب التاريخية والأكاديمية التي يلخصها د. عمر في ثلاثة أقسام رئيسة هي: المفاهيم، والتاريخ، و العلاقة مع الغير.

وتنقسم المفاهيم إلى عامة ميدانية متعلقة بالأحكام الفقهية، وأخرى روحانية تشمل الفضائل والعلاقة مع الحرمين الشريفين.. ويتحدث الدكتور عبد الله عن مفهوم المسجد الأقصى الحقيقي وتسميته وشكله وجغرافيته واتجاه بنائه، ثم يتناول فضيلة الصخرة وما دار حولها من القصص المكذوبة، وعن تسمية الأقصى حرما، يؤكد عمر خطأ تلك التسمية من الناحية الفقهية إذا لا تنطبق أحكام الحرم على المسجد الأقصى، كما يوضح أن المقصود بالمسجد الأقصى المبارك هو كامل المساحة المسورة الواقعة داخل البلدة القديمة بالقدس على شكل شبه مستطيل، وليس المسجد القبلي فقط، وهذا ما يحاول الصهاينة الترويج له تمهيدا لانتزاع ساحات المسجد من المسلمين باعتبارها ساحات جبل المعبد، وهذا مكمن الخطر.

وقد أورد مجير الدين الحنبلي في (الأنس الجليل) “إن المتعارف عند الناس أن الأقصى من جهة القبلة, الجامع المبني في صدر المسجد الذي فيه المنبر والمحراب الكبير, وحقيقية الحال أن الأقصى اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور.. فإن هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره, من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدثة, والمراد بالأقصى ما دار عليه السور”.

لقد أثبت علماء الآثار الغربيين الذين نقّبوا واشتغلوا بالحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى- أنه لا يوجد أثر واحد لهيكل سليمان؛ لا تحت المسجد الأقصى، ولا تحت قبة الصخرة، وشاركهم في هذا الرأي كثير من الباحثين اليهود، مما دفع بعضهم إلى أن يقول: إن الهيكل قصة خرافية ليس لها وجود! ومن أشهر هؤلاء العلماء “إسرائيل فلنتشتاين” من جامعة تل أبيب، وقد نشرت آراؤه منذ فترة وأثارت لغطا بين الصهاينة.

كما يؤكد “شلومو ساند” مؤلف كتاب اختراع الشعب اليهودي على أن الحفريات الأثرية التي جرت في القدس في سبعينيات القرن العشرين “كانت مربكة للخيال الماضوي الفخور صحيح أنه لم يكن ممكناً القيام بحفريات تحت باحة المسجد الأقصى؛ ولكنه لم يتم العثور في سائر المواقع المدشنة حوله على بقايا أو آثار تشير إلى وجود مملكة مهمة في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو العصر المقدر لعهد داوود وسليمان. فلم يكشف أي شاهد على بناء عظيم، ولم يكن هناك لا أسوار ولا قصور فخمة، وحتى الأواني الخزفية التي اكتشفت كانت قليلة وبسيطة بشكل لافت جدا”.

يوجد المسجد الأقصى فوق هضبة “موريا” التي ترتفع من الوسط والشمال وتنخفض من ناحية الجنوب، وتشكل الصخرة التي بنيت فوقها القبة أقصى ارتفاع للهضبة، ويحاط المسجد بواديين، هما وادي جهنم أو قدرون شرقا ناحية جبل الزيتون، وودادي الربابة غربا ناحية جبل صهيون.. ويحتل المسجد الزاوية الجنوبية الشرقية، من البلدة القديمة، وتبلغ مساحة المسجد الإجمالية مئة واربعة وأربعون الف متر مربع.

وللأقصى أربعة عشر بابا تقع على الجانبين الشمالي والغربي، منها أربعة أبواب مغلقة، وقد استولت سلطات الاحتلال على مفاتيح باب المغاربة منذ عام النكسة، وهو أقرب الأبواب للجامع القبلي، أما الأبواب المفتوحة فهي: باب الأسباط، وباب حطة، وباب العتم، وباب الغوانمة، وباب المطهرة، وباب القطانين، وباب السلسلة، وباب المغاربة، وباب الحديد، وباب الناظر، وهي أبواب قديمة جددت عمارتها في العصور الإسلامية المختلفة.

كما يشتمل المسجد على أربع مآذن هي: المئذنة الفخرية عند باب المغاربة، ومئذنة باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية للمسجد، ومئذنة باب السلسلة (منارة المحكمة) ومئذنة باب الأسباط، وقد هدمت من نحو مئة عام إثر زلزال، وأعيد بناؤها.

ويشير الدكتور عبد الله معروف عمر إلى مكانة المسجد الأقصى في الإسلام فيقول إنها مكانة كبيرة تمثل معنى عميق الدلالة، بوصف الأقصى ثالث الحرمين، إذ يمثل الحرم المكي علاقة المسلم بربه تبارك وتعالى، ويمثل الحرم المدني علاقة المسلم برسوله الكريم-صلى الله عليه وسلم- أما المسجد الأقصى فيمثل علاقة المسلم بالبشرية جمعاء.

ويشير الدكتور عمر إلى أن المسجد الحرام هو مصدر حرمة مكة وأصلها، أما المسجد النبوي فهو ليس مصدر حرمة أرض المدينة؛ إذ أنها محرمة بذاتها، أما المسجد الاقصى المبارك فيجمع بين المسجدين: فالأقصى المبارك هو مصدر بركة الأرض التي بارك الله فيها، وهو أصل هذه البركة، وفي الوقت نفسه لا يعد المسجد الاقصى مصدر قدسية الارض المقدسة؛ لأنها مقدسة بذاتها، فهو بهذا يرتبط بالمسجد الحرام من ناحية البركة، ويرتبط بالمسجد النبوي من ناحية القدسية.

إن التاكيد على هذه الأمور وذكرها في هذا الوقت يعد أمرا واجبا خاصة أن البعض أخذ يردد دعاوى خبيثة تزعم أن المسجد الأقصى الوارد ذكره في سورة الإسراء ليس هو المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف، وأنه مسجد آخر كان موجودا في الجزيرة العربية، ويعلم الكافة حقيقة تلك الأراجيف وما تنطوي عليه من خبث؛ لكنها للأسف تصل إلى الأسماع ويفسح لأصحابها المجال، وما تلبث مثل تلك الأباطيل أن تستقر في أذهان البعض.. لذلك كان من الواجب الدعوة إلى النظر في الدراسات العلمية المعمقة المتعلقة بالمسجد، والحث على تبسيطها وعرضها للكافة وخاصة النشء حتى لا يخبو المسجد الأقصى المبارك من ذاكرتنا العربية والإسلامية، وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.