أولى القبلتين.. وثاني المسجدين.. وثالث الحرمين الشريفين

قِبلة العاشقين، وملهمة الشعرار والكاتبين. فيها تغنينا، ولأجلها ثُرنا وقاتلنا، وعلى أبوابها سالت دماؤنا، وبإسمها ياما هتفت قلوب وحناجر. المدينة التي لم أدخلها يوماً، وأنا المقدسيّ الروح والقلب والعقل والوطن.

عاصمة فلسطين الأبدية، كما قال الراحل أبو عمار، وكما قال الرئيس محمود عباس، وكما يقول كل إنسان فلسطيني، من هرم المؤسسة السياسية، حتى أصغر طفل في بلوك6 في مخيم جباليا. هذه قاعدة لا نقاش فيها، وثابت وطني بفقدانه، يُفقد المشروع الوطني الفلسطيني بأسره. ولكن هناك تساؤل صغير..

هل يستطيع الشعب الفلسطيني في ظل هذا الانقسام والتشرذم الذي يعيشه، أن يصون مدينته الأولى، وعاصمته الأبدية ؟

هل يستطيع الفلسطينيون أن يتصدوا لمشروع “ترامب” في نقل السفارة الأمريكية لدى دولة الاحتلال إلى مدينة القدس، بعد اعترافها بالقدس كعاصمة لدولة الإحتلال؟

ربما هنا أنا لست بمعرض التفكير برد الفعل العربي والإسلامي بشكل عام تجاه القضية من الأساس، لأنني أشعر بأنني فقدت الثقة بشكل كامل، بأن يكون لنا عوناً في هذه الجولة سوى أنفسنا، العرب والمسلمون منشغلون بصراعاتهم. الإقليم بأسّره على صفيح ساخن، وعلاقات الإحتلال الدبلوماسية مع الدول العربية وعلى رأسها السعودية، تزداد وتتعمق يوماً بعد يوم، فمن سيفكّر بالقدس؟!

كتبت بالأمس على حسابي في فيس بوك، ولكن أردت أن أضيف أيضاً في هذا المقال، بأنه حتى وإن انتهى الانقسام، هناك خلل وطني أصابنا جميعاً. نحن الفلسطينيون، ندري أو لا ندري، ولكننا للأسف تحت عملية متكاملة الأركان، لتغييب المفاهيم الوطنية من عقولنا ، وإحلال المشاكل الحياتية كالكهرباء والبطالة والمعابر في عقل المواطن الفلسطيني، ليصير مشغولاً فقط في مقوّمات حياته، وهذا بالأخص على أهل قطاع غزة، الذي انطلقت منه الكثير من شرارات المواجهة مع الإحتلال الإسرائيلي، سواء بالعمليات الاستشهادية أو بالانتفاضة، أو بالحروب المتواصلة على مدار السنوات الماضية، فهناك إرادة إسرائيلية بتركيع هذا الشعب، ووصوله لدرجة اللامبالاة بكل شيئ له علاقة بالقضية الفلسطينية، والمشروع الوطني الفلسطيني، وهذا المخطط للأسف لاقَ حاضنة داخلية في الاراضي الفلسطينية، بسبب حالة الاختلاف الأيديولوجي وانعدام روح العمل بشراكة بين التنظيمات الفلسطينية المسيطرة على زمام الحكم، والمتحكمة بمصير الشعب الفلسطيني، وهنا أقصد حماس وفتح، وبقاء الوضع المعيشي في تراجع يوماً بعد يوم، فمن الطبيعي أن تجد البعض يائس، ومحبط وطنياً، وغير مكترث بكل ما يجري!

هذا ليس عذراً لأي شخص، بأن يتراجع عن دوره تجاه قضيته وتجاه وطنه، وتجاه شعبه، ولكن أيضاً لابد من الوقوف على المشكلة، هناك مشكلة حقيقية بالأخص لدى نسبة من جيل الشباب، الذي هو سيكون المستقبل، وهو سيحمل القضية والصراع ويدافع عنه، فهذا الجيل بحاجة لمن يقف على رأسه ويوعيه، وبحاجة للكثير من الحكايات والقصص، عن فلسطين، والقدس، وحقنا الأزلي فيهن، كما وواجب على كل إنسان عربي وفلسطيني، أن يقف اليوم أمام هذه الغطرسة الأمريكية، وأمام هذه العنصرية والتبجّح في انتهاك حقوق الشعوب، ولا أعتقد أن شعبنا الفلسطيني سيصمت أمام أي خطوة من شأنها تقويض الحق الفلسطيني بالقدس، كعاصمة أبدية.

لم ننس بعد الهبة الفلسطينية الكبيرة قبل شهور، حين تم تركيب بوابات إلكترونية لعبور المسجد الأقصى، مئات الآلاف انتفضوا في القدس حينها، واستطاع المقدسيون أن يوقفوا كل الإجراءات الإسرائيلية ويُجبروا قيادة الإحتلال على التراجع، في هزيمة حقيقية آنذاك، للعنصرية الصهيوني، فماذا سيظل لنا بعد القدس؟
كاتب فلسطيني