أصبحت لا أعلم عن فلسطين شيئا

أصبحت لا أعلم في تاريخ فلسطين شيئا، لستُ وحدي، فـ جلّ أبناء جيلي لا يعرفون شيء عنه إلا القليل.

منذ نعومة أظافري كانت مادة التاريخ بالنسبة لي ممتعة وسلسة، فهي قصة سهلة ومريحة، وغير ذلك فلم تكن مادة أساسية، فالأهم منها كانت التربية الدينية وبطولات المسلمين، وأبيات الشعر والنثر في اللغة العربية وقصص المعلقات، أما الرياضيات والعلوم فكانت بسيطة على العقل واللسان.

في الجامعة لم يكن متطلب التاريخ أو الثقافة الفلسطينية إلزامي للطلبة، فهي من متطلبات الجامعة الثانوية لتعديل المعدل، حتى عندما تدرس في قسم التاريخ كان القسم بالطلبة والأكاديميين لا يتعدى السبعة أشخاص!

فلسطين التي لم أعد أعرفها، هكذا تعلمنا؛ بل علّمونا: سكانها الكنعانيين، وكانت مكاناً لممالك سلمان، وبُني فيها بيت المقدس، وجاء إليها الفينيقيون وسكنوا على الساحل الغربي، وثم أصبحت جزءًا من سوريا، وكان يطلق عليه سورية الجنوبية، ثم الفتح الإسلامي والعهد العمري، ثم الحملات الصليبية و الخلافة العثمانية، بعدها الاستعمار البريطاني، إلى أن انتهى بالاحتلال الإسرائيلي، بهذه السرعة وبتلك القفزة التاريخية نختتم تاريخ فلسطين!

أما في زمن الحداثة فتاريخ فلسطين المعاصر مرتبط مع تاريخ وجود الاحتلال لفلسطين عام 1948 وانطلاق الثورة والكفاح المسلح عام 1965، والتي جُيرت لتقليص قضيتنا، وانتهت باتفاق مُجحف، جعلنا نتعلق بهمومنا اليومية على حساب القضية وتاريخنا، كل ما نعرفه هو أن العرب خسروا أمام العصابات الصهيونية الحرب، ومن ثم وقع نصف الشعب تحت الاحتلال والنصف الآخر في الشتات، إلى أن جاءت الأحزاب وأصبحت تكتب وتمجّد بتاريخها وتاريخ أعمالها ضد عصابات الاحتلال.

إن الحاضر يُكتب والتاريخ ينقح ويعاد صياغته
اليوم ومع انشغال الوطن العربي بقضاياه وهمومه الداخلية، طفَت إلى السطح تساؤلات وقضايا تتعلق بفلسطين وحلول للقضية أكثر مرونة من السابق، خصوصاً بعد التقارب العربي _الإسرائيلي، فالأخير يعيش اليوم في أزهى عصوره رغم الفوضى العارمة التي تعج بجيرانه، هذا إن دل على شيء، فيدل على أن الأمة اليهودية تفكّر لمائة عام مقبلة ولا تنظر تحت أقدامها، فمن كان يعتقد من الأولين الذين كتبوا في تاريخ المنطقة أن الشرق الأدنى سيصبح شرقاً أوسط ، وأن الشرق الاوسط القديم المعادي لإسرائيل صار أقرب من أي وقت مضى. إن المرحلة التي أفرزتها الثقافة العربية في السنوات الأخيرة وصلت لمستوى هابط، بسبب الأقلام التي بِيعت في سوق النخاسة فأصبحت تسمع اليوم أن الفلسطينيين هم المحتلين لأراضي اليهود، وأصبحت تسمع من كتاب وإعلاميين عرب اليوم أنه لا وجود لشيء إسمه فلسطين!.

المشكلة ليست وليدة اليوم بل هي ممارسات تراكمية مُورست علينا أيضا، فماذا لو أقدم شاب فلسطيني وشاب إسرائيلي من الداخل المحتل وتحدث كل منهم عن تاريخ فلسطين ماذا سيقول الشاب الفلسطيني؟.
اذا كان من الضفة سيقول شيء، وإذا كان من غزة سيقول شيء، وإذا كان من الشتات سيقول شيئاً آخر!.

وفقاً للتخمين سيقول أننا الكنعانيون ويصمت ويقفز إلى فترة الحكم الإسلامي فنحن مبدعين في هذه الفترة وخصوصاً دخول سيدنا عمر بيت المقدس، أما إذا قيل له تحدث عن وضع الفلسطينيين اليوم سيتحدث بطلاقة فائقة، لا كهرباء ولا ماء ولا وظائف ولا لا لا وانقسام وحصار، شباب يقفد أحلامه، أحزاب متناحرة على سلطة، أسرى، مرضى …إلخ من كل معاجم المعاناة التى سجلت خلال 100 عام، وإذا قيل له اذكر أسماء مناطق فلسطينية، سيذكر أسماء مخيمات اللجوء وحواجز الاحتلال ويافا وعكا لأن درويش وغسان ذكروهما في كتابتهما وأشعارهما.

كي لا نقع في مشكلة أو أزمة تاريخية مشرفة علينا في المستقبل القريب، يجب علينا كفلسطينيين وعرب، أن نعزز تاريخنا بأنفسنا، وأن نُربي أطفالنا اليوم على تراب القدماء، فتاريخ فلسطين لا يبدأ من عند مفتاح بيت جدي في مدينة أسدود، بل تاريخ فلسطين يبدأ من موقع تل السكن في غزة، الذي يقوم بإزالته للأسف أيدٍ فلسطينية وجهات تدعي أنها وصية فلسطين.
كاتب فلسطيني