​قراءة في كتاب: في فلسفة الثقافة والنقد الثقافي

صدر حديثا كتاب “في فلسفة الثقافة والنقد الثقافي” للدكتور مصطفى النشار أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة عن الهيئة العامة للكتاب، يتكون الكتاب من أربعة مباحث يناقش في المبحث الأول محددات أولية لفلسفة الثقافة ليبدأ بها نقاشه حول ماهية الثقافة وخصائص الثقافة المتحضرة وآلياتها وبنيتها.

يعرف النشار الثقافة بأنها “الإطار النظري لمعتقدات الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، وما يبدو ماثلا في سلوكهم الأخلاقي والديني والاجتماعي والاقتصادي” ليخرج من هذا التعريف بعدة استنتاجات، على سبيل المثال أن الثقافة هي ما يشكل الوجدان الفردي والجماعي والدافعية لسلوكهم على نحو معين ، وهي تشكل الضمير الذاتي، وأن لكل ثقافة تاريخها ووعيها التاريخي المستقل، وأن العمق التاريخي دليل على أصالة الثقافة وصمودها وقدرتها على التجدد والانفتاح والتفاعل مع الثقافات الأخرى.

يعرف الباحث الثقافة المتحضرة بأنها الثقافة التي يسود بين أهلها الأخلاق الرفيعة ويحدد خصائص تلك الثقافة بأن أفرادها يؤمنون بصورة دينية محددة حول الكون وخلق العالم والعلاقة بين الإنسان والعالم كما يوازنون بين المطالب الدينية والدنيوية ومطالب المجتمع ومطالب الفرد، كما يتمتع أفرادها بالإبداع والابتكار، ولا يضع المجتمع قيود أمام أفرادها وهي ثقافة تحترم العدالة وتقدسها، وينتهي النشار إلى أن الثقافة المتحضرة هي التي يؤمن أفرادها بأنهم ليسوا جديرين بصنع السعادة والحياة الأفضل لنفسهم فقط بل يصنعونه لأبناء وطنهم وللبشرية جميعا.

ثم ينتقل الباحث ليناقش آليات تلك الثقافة المتحضرة ليجد أن التفكير العلمي في مواجهة المشكلات وتحليلها وحلها مغروس في طبيعتهم وكأنه فطرة، بالإضافة لاحترامهم لحرية العقيدة وحرية التفكير؛ فلا إبداع فردي بدون احترام حرية التفكير، وقد يتعرض المرء للخطأ وقد يخطئ في الفهم ولكنه سرعان ما يعود للطريق السليم إذا ما أرشده الآخرون إليه، ويرى النشار أن الحوار الإيجابي البناء، فبدون حوار سينزوي الفرد وينعزل، ويعطي الباحث أهمية لآلية نقد آراء الآخرين بهدف الوصول للحقيقة، كما يرى النشار أن ثنائية العقل والوجدان من أهم آليات تلك الثقافة أيضا، ويختتم النشار مجموعة الآليات بآلية سيادة واحترام القانون فالمجنمع الإنساني يقوم على اتفاق مكتوب بين أفراده وهذا الاتفاق المكتوب هو القانون أو الدستور.

وعن بنية الثقافة يقول النشار إن الثقافة ذات بنية داخلية ديناميكية قابلة للتجدد والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وهي ذات بعدين، بعد أصيل أسسه أصحابه، وبعد قابل للتأثر بالثقافات الأخرى، وهي ذات بنية متوازنة فهي تعبير عن إنجازات الفرد وطموحه وتعبير عن رغبات المجتمع، كما أن أفرادها يؤمنون بمبادئ عامة ذات مضامين أخلاقية واقتصادية علمية ثابتة، وتظل في النهاية بنية الثقافة المتحضرة واحدة وإن انقسمت لأصيل ودخيلة.

وفي المبحث الثاني “العولمة الثقافية بين الإمكان والاستحالة” يطرح الباحث مفهومه عن العولمة بأنها “صبغ العالم بصبغة واحدة في أي مجال من المجالات، أى أن يتقارب البشر ويذوب بينهم الفوارق في الفكر واللغة والمعتقدات وأشكال الأزياء وصور التبادل التجاري والصناعي..إلخ”، كما حدد الباحث آليات العولمة في ظهور الاختراعات التي ألغت الفواصل الزمنية والحواجز المكانية بين البشر وسيولة المعلومات وتدفقها المذهل بين قارات العالم وبلدانه المختلفة والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تنظم حركة العولمة اقتصاديا، ثم يبدأ الباحث بتعريف العولمة الثقافية بأنها “التقارب الذي يحدث بين ثقافات شعوب العالم لدرجة ذوبان الفوارق الحضارية بينها وصهرها جميعا في بوتقة ثقافية واحدة ذات خصائص مشتركة واحدة”، ومن أبرز ملامح تلك الثقافة المعولمة الاعتقاد بحرية الإنسان في ممارسة حقوقه الطبيعية وهو واجب على الحكومات حمايته، ومن مظاهر تلك الثقافة التحدث بلغة أجنبية إلى جانب لغتهم ونماذج موحدة من الأزياء، وينبه الباحث إلى أن العولمة الثقافية بنشرها لنموذجها الغربي الموحد يثير غيرة وكراهية الحضارات الأخرى التي لا ترضى تلك التبعية فيخرج منهم الرافض والكاره لهذا النمط الغربي المعولم رافضين النظرة الاستعلائية للغرب.

وفي المبحث الثالث بعنوان “العولمة وأخلاقيات الشباب العربي” يبدأ النشار دراسته بإقراره بأن العولمة مقوم أساسي في العالم المعاصر، حيث يقر أيضا بتأثيرها على بنية المجتمع وعلى شبابه الذي يمثل روحه الحية، كما يرى أن العولمة أثرت على الشباب العربي بطريقتين، أولهما تحويله إلى مندمج في المجتمع المعولم، وإلى منحرف يستوعب من العولمة أسوأ ما فيها مثل المواد الإباحية وغيره، كما أكد على أن خروج مجموعات شبابية تحمل ثقافتها الشرقية مع اندماجها في العولمة ووأد الإبداع وتغليب قيم المتعة واللذة على القيم الدينية.

أما المبحث الرابع بعنوان “الثقافة والتقدم” يبدأ الباحث بتعريف مفهومي الثقافة والتنمية مستعيرا من الدكتور حامد عمار بأنها جملة الأفكار والمعارف والمعاني التي تحكم حياة المجتمع في علاقته مع الطبيعة والمادة وفي علاقات أفراده وبغيرهم من المجتمعات، ويشير إلى أن الثقافة هي عامل موجه ومتحكم في البنى المجتمعية، أما التنمية فهي مصطلح مشتق من كلمة النمو، وكثيرا ما ارتبط بالتنمية الاقتصادية إلى أن ظهر مفهوم أوسع وهو التنمية البشرية، الذي يعني استمرار وتصاعد التحسن في نوعية الحياة المادية والمعنوية.

ويرى الباحث أن الغرب لم يتقدم سوى بإنتاج ثقافة تحفز على التنمية والتقدم، وهي ثقافة تشجع على الإبداع والتحقق الذاتي لأفراد المجتمع وكلما ارتقت الثقافة في مسار المدنية كلما أصبح التنمية أيسر على المجتمع الواعي، وأن تلك الثقافة ليست قاصرة على الغرب ومن الممكن العمل على تطوير الثقافة الوطنية لتحقيق تنمية بشرية تتسق مع عمقنا الحضاري.