يختفون ويسجنون عندما يتحدثون

بعد عودته إلى لندن قبل أيام كتب الصحفي البريطاني ستيفن بريتشارد اعتذارا عما قاله في جلسة دور حرية الصحافة فى بناء الدولة» التى عُقدت فى اليوم الثانى من مؤتمر شباب العالم بشرم الشيخ، بشأن تبريره لاختلاف حريات الصحافة فى العالم وفقا لاختلاف الثقافات.

وغرّد بريتشارد، على حسابه الشخصى على «تويتر»، منتصف الأسبوع الجاري: «أعتذر عن التصريحات التى أدليت بها فى منتدى شباب العالم حول كون الاختلاف الثقافى سببا فى اختلاف حرية الإعلام فى العالم وأسحب ما قلته، لم أكن أقصد الإساءة إلى أى شخص، خاصة أولئك الذين يقاتلون من أجل حرية الصحافة فى مصر».

كان بريتشارد المدير التنفيذي بصحيفة أوبزرفر البريطانية قد انتقد خلال الجلسة المشار إليها في المنتدى حال حرية الصحافة في مصر، وعرض خارطة بيانات خاصة بمنظمة «مراسلون بلا حدود» تقسم دول العالم إلى 5 ألوان تتدرج من الأبيض إلى الأسود حسب أوضاع حرية الصحافة بها، وتظهر مصر على الخريطة باللون الأسود فى إشارة إلى كثرة الانتهاكات والقمع ضد الصحفيين، تتساوى في ذلك مع دول مثل ليبيا والسودان والسعودية وسوريا وإيران والصين وكوريا الشمالية كأكثر دول العالم انتهاكا لحرية الصحافة.

بريتشارد تحدث عن أهمية حرية الصحافة كأحد آليات الديمقراطية وضرورة تمتعها بالاستقلالية باعتبارها أهم وسائل الرقابة المجتمعية، ورفض ما تقدمه السلطات من مبررات لمنعها من القيام بدورها.

كنت أنتظر متابعة تغطيات القنوات والمواقع والصحف لتلك الجلسة، باعتبارها الجلسة الوحيدة التي ستشهد نقاشا حقيقيا، خاصة في حضور صحفيين أجانب لم تتمكن الجهات المصرية من تلقينهم ماذا سيقولون أو على الأقل لن تضع لهم خطوط حمراء، لكن للأسف صدر التكليف بعدم حضور الجلسة أو تغطيتها بالشكل الكافي، وغاب عن حضورها كل المسؤولين حتى لا يقعوا في الحرج الذي وقع فيه رئيس الدولة في جلسة مشابهة عندما رد عليه زميلنا إبراهيم عيسى العام الماضي.

لم يحضر أي شخص له صفة رسمية الجلسة باستثناء نقيبنا السابق ضياء رشوان رئيس الهيئة الوطنية للاستعلامات. رشوان علق على مداخلة بريتشارد وزميلته سعاد الطيب مديرة إذاعة مونت كارلو الدولية التي انتقدت بدورها حال الحريات الصحفية في مصر، وتحدث عن الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر منذ ثورة يناير، مشيرا إلى أنه يصعب مقارنتها بدول العالم المستقرة التي تنعم بصحافة حرة.
وقال رشوان وفقا لما نقله لي زميل حضر الجلسة: أن أوروبا احتاجت لنحو 70 عامًا بعد قيام الثورة الفرنسية لتظهر الأوبزرفر ويتبلور مفهوم الصحافة الحرة قائلا: “مش هنقول لكم استنوا علينا 70 سنة لكن اصبروا علينا بعض الوقت”!

وعقب تعليق رشوان تطوع بعض الزملاء وأعطوا لصحفي الأوبزرفر درسا في دور الصحافة في صيانة الأمن القومي والحرية المسئولة وضرورة حصار الأفكار التي تمنع هدم الدولة، ودور مؤسسات الدولة في وضع ميثاق شرف أو كود أخلاقي.
بعد هذا الهجوم المضاد من زملائه في المهنة، ارتبك بريتشارد وعلق بشكل مقتضب قائلا: إن «هناك اختلافات ثقافية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند قياس حرية الصحافة فى كل دولة، وعلى سبيل المثال فى دول مثل أوروبا لا يعتبر أمرا مهينا يستحق العقاب أن تكون وقحا مع الحكومة أو أن تتحدث بشكل سيئ عن مسؤول لكنه أمر حساس فى دول أخرى».

وبعد عودته إلى بلده شن زملاء بريتشارد حملة انتقادات واسعة عليه وقال الصحفى جاك شنكر، بريتشارد، فى تدوينة على «تويتر»: «فى الواقع شباب مصر لا يستطيعون التحدث يا ستيفن، إنهم يختفون ويسجنون عندما يتحدثون»، فرد بريتشارد على ذلك وقال: «بالطبع أدين سجن الصحفيين، أنا أعتذر بصدق لعدم جعل هذا واضحا على المنصة، دُعيت للحديث عن حرية الصحافة فى جميع أنحاء العالم، وليس فقط فى مصر، وكان ذلك منتدى عالميا للشباب».
فيما طالبت روزالين، إحدى رواد «تويتر»، ستيفن باعتذار حقيقى عن تصريحاته فى منتدى مماثل بنفس الشعبية، ورد بريتشارد قائلا: «لتجنب الشك، أدين تماما سجن الصحفيين فى مصر، وأعتذر إذا كانت تعليقاتى أعطت انطباعاً مختلفاً».

اللافت في القصة التي تجاهلها الإعلام المصري عن قصد، أن زملاء المهنة تطوعوا وهاجموا زميل بريطاني جاء يدعم حرية الصحافة ويطالب بمزيد من الاستقلالية في بلد عرفت الصحافة قبل 150 عام، وهو ما اضطر الرجل للتراجع على منصة المنتدى، لكنه بعدما راجع نفسه عاد وراجعه زملائه عاد إلى المربع الذي من المفترض أن نقف كلنا عليه.