“يا حقيقة فينك… شبه الدولة بينا وبينك”!

ستعرف فقط ما يريدونك أن تعرفه، وستسمع ما يروق لهم فقط أن يفصحوا عنه، وسيقسمون لك بأن أحاديثهم فقط هي الحقيقة المطلقة، وفي نهاية الأمر سيطلبون منك أن تصدقهم هم فقط دون سواهم… فهلا فعلت؟

أغلبنا لم يعد يصدق أي شيء يخرج من مكاتب المسئولين أو حلفاءهم، فتصريحاتهم المنمقة تصدر عادة لتغطية فشل ما أو لتجميل إهمال جسيم أو لتعظيم الأوهام أو للتبرؤ من الأخطاء وإلقاءها في ملعب الخصوم.. ويبدو الباحث عن الحقيقة في المؤتمرات والبيانات الرسمية أشبه بمن يحاول بإلحاح عبور قضبان القطار بالطول، فتكون النتيجة أن يظل سائراً بموازاة الحقائق دون أن يلتقيها، ويقضي نحبه غير مُدرك إنه عاش عمره غافلاً عن جهل أو مغفلاً عن عمد.

لا تسمح طبيعة الدول التي نفخر بالانتماء إليها لأن تحيا الحقائق فيها لأكثر من “فيمتو ثانية”، فإما أنها ستموت من فرط الأكاذيب الرسمية أو بنيران إعلام التضليل أو تتلاشي كالسراب بفضل سياسة التعمية التي تنتهجها أنظمة الحكم المتعاقبة، وهي سياسة رشيدة تميل إلي إخفاء الحقيقة تماماً، وصنع أخري مغايرة لطمأنة مواطنيها بشكل مؤقت لحين تجاوز الموقف المتأزم، واختلاق كذبة جديدة أكثر بريقاً.

هناك حكمة قديمة لا تحاول البحث عن قائلها لأنني اخترعتها تواً، تقول باختصار: “الخائف أن يفتضح فشله وعجزه وتقصيره هو الوحيد صاحب المصلحة في إخفاء الحقيقة”.. فهو يسعي دائماً إلي طمس الحقائق هرباً من المساءلة والعقاب، والأدهي أن البعض لا يكتفي بهذا الوضع الآمن، بل يتحايل باستخدام كل الوسائل المتاحة وغير المشروعة لتصدير كم هائل من الحقائق المزيفة التي تجعل منه البطل المظفر وصانع الأمجاد.

تظن بعض الأنظمة السياسية أن الاستحواذ المطلق علي ماكينة الإعلام كفيل بتحقيق انتصارات ساحقة علي الحقيقة، وأن التنكيل بها سيكون أمراً يسيراً طالما أمسكت هي منفردة بزمام الصحافة والفضائيات والإذاعات وكل ما يستجد في هذا المجال.. فالمذيعون والكتُاب والضيوف هم أبناء مخلصين يتمركزون في خلايا “الجهاز” العصبي للنظام الحاكم، وعلي أتم استعداد لتنفيذ العملية الانتحارية “تضليل” بحرفية وإتقان دون انتظار للتعليمات الفوقية، عملاً بمبدأ أن “الابن البار هو سر أبيه وطوع يديه”.

لن اُريحك بسرد الروايات التي تُجزم بأنه لم يخلق للآن من يقوي علي لي عنق الحقائق وتزويرها لصالحه، فهناك من استطاع بالفعل “قطع رقبة” الحقيقة وليس كسر عنقها فحسب، وهناك من يظن أنه هو نفسه الحقيقة، وأن علينا تُفريغ رؤوسنا من أي قناعات ومعتقدات وحشوها فقط بكلامه وتوجيهاته ونبوغاته.

قدم الأديب البريطاني “جورج أورويل” صورة دقيقة عن العصور التي تلاعبت بالحقائق وحرفتها لخدمة سلطانها، فقال في عبارته الكاشفة والبليغة: “في وقت الخداع يصبح قول الحقيقة عملاً ثورياً”.. فمن سيحاول التصدي لإزالة الشوائب وإظهار الحقائق كالثائر الذي سيغامر بوضع نفسه في دائرة الانتقام أمام من يستميت للدفاع عن الخديعة لأطول مدي، فلو انكشفت عورته سيبدو المارد علي صورته الحقيقية مجرد فأر صغير سرعان ما يهرب إن افتضح سره ومخبأه.

لا تصدقني لو قلت لك أنني أملك الحقيقة، وأن ما أعرفه هو ما يجب أن تأخذ به، فالنصيحة الوحيدة التي يمكن أن أقدمها لك هي عدم الانتظار حتي تأتيك الحقائق راكعة أمام قدميك، فلا أحد صادق حتي النهاية، بل الكل كاذب إلي أن يثبت العكس، وهناك دائماً جزءا مستترا من الحقائق يجب أن تسعي إليه بنفسك، وأن تجتهد لتراه بعقلك، ولا تصدق من يقولون لك: “اسمعو كلامي أنا بس”.