هل القوى المدنية في حاجة إلى «مرشح توافقي»؟

في نظري أن هناك تقديرات مفعمة بالأماني يحكمها التوهم بإمكانية إحداث المفاجأة في الانتخابات الرئاسية مطلع الربيع المقبل، هذه التقديرات هي التي تقف وراء التمسك بالدعوة إلى «مرشح توافقي» تُحشَد حوله كل طاقات القوى المدنية المتطلعة إلى انتخابات رئاسية حقيقية.

الجميع، بمن فيهم المتطلعون إلى موقع المرشح التوافقي، يرون أنهم مقبلون على انتخابات لا تتوفر فيها أي شرط من شروط إقامة انتخابات فعلية، وأنهم بصدد أسلوب أقرب إلى الاستفتاء منه إلى الانتخاب.

على ماذا تعول القوى المدنية في حرصها على خوض الانتخابات الرئاسية بمرشح توافقي؟
السؤال تطرحه مجموعات ليست بالقليلة تنتمي لهذا التيار نفسه، وهي تسأل عن جدوى المشاركة في انتخابات تكاد نتيجتها تكون معلومة للجميع قبل خوضها.

العامل الأساس الذي تعول عليه «القوى المدنية» هو التراجع البادي لشعبية الرئيس الحالي، وهو في نظرنا تراجع حقيقي وكبير بل وفادح، ولكنه لا يكفي لضمان نجاح أحد منافسيه، هذا المعيار ( تراجع الشعبية) يصلح للقياس عليه في دولة من الديمقراطيات المعروفة في العالم أو تلك الدول التي قطعت شوطاً واسعاً بالاتجاه نحو تكريس مبدأ «تداول السلطة» سلمياُ في مجتمعاتها، وهو مقياس خادع بل ومضلل في دول لا تسمح فيه النخبة الحاكمة بأي إمكانية لتدول سلمي للسلطة، بل وتضع ترسانات من القوانين والإجراءات والأسوار التي تعترض الطريق نحو تحكيم صناديق الاقتراع واحترام أصوات المواطنين والانصياع للإرادة الشعبية.

لقد جرت خلال السنوات الماضية أكبر عملية لإعادة هندسة النظام بطريقة وعلى أسس لا تسمح بمرور أحد عبر الصناديق مرة أخرى، مجلس نواب صارت الطريقة التي جاء بها معروفة، ونتائجها مكشوفة، ومؤسسات أمنية أعيد تشكليها على المقاس نفسه، مهمتها الأساسية حماية واستمرار النظام الحاكم بتركيبته القائمة، ولن تسمح بتغيير يطالها أو ينقص من أدوارها أو ينتقص من صلاحياتها المفتوحة.

فشل السلطة القائمة في إدارة رشيدة لشئون الدولة ولقضاياها الحقيقية لا يكفي وحده في ظل أنظمة بمثل هذه الشمولية قد تكون سبباً في انفضاض كتل رئيسية من المجتمع عن المشاركة في الانتخابات، ولكنها ـ وربما وبسبب هذا الانفضاض والعزوف ـ لن تكون مشاركة في عملية الاتيان بالبديل.

ما يضعف أي إمكانية لمنافسة جادة أن الشخصيات المطروحة للترشح أمام الرئيس الحالي في ظل تراجع شعبيته، وفي منافسة لا تتوفر لها أي ضمانات حقيقية، هي أقل من أن تحظى بشعبية مؤثرة في تعظيم فرص نجاحها.
الفرصة قائمة ولكن إمكانية استغلالها غير متوافرة.

الرفض الشعبي الواسع للسياسات القائمة لا تتم ترجمته إلى رفض بناء قادر على صناعة التغيير، لأنه من ناحية رفض سلبي، غير إيجابي وغير فاعل في الحياة السياسة، ولأنه من ناحية ثانية رفض مشتت لم تستطع قوى المعارضة المدنية أن تجمع شتاته أو تضمن حتى مشاركته في عملية الانتخابات بفاعلية مطلوبة.

فقدان الرئيس المرشح لكثير من أرصدته الجماهيرية خلال سنوات فترته الرئاسية الأولى لا ينزع عنه ما تبقى بين يديه من أرصدة ما تزال لا ترى له بديلاً مقنعاً لها، بينما الرصيد الشعبي لقوى المعارضة المدنية مجتمعة لا يقدر على حملها إلى الاتحادية، وربما لن يستطيع أن يوفر لها كماً من الأصوات ضمن لها موقع التمثيل المشرف.!

فرص أي مرشح بصرف النظر عن اسمه تتضاءل في ظل كل هذا التضييق الإعلامي، وحملات التشويه الممنهج لكل من يفكر في خوض السباق الرئاسي حتى لو كان أحد رجال الدولة السابقين، أو من قيادات الجيش المحالين إلى التقاعد.

حالة الطوارئ المعلنة في البلاد بالمخالفة للدستور تلقي بظلالها الثقيلة على العمل السياسي برمته فضلاً عن الانتخابات سواء كانت رئاسية أو حتى نقابية.

الانتخابات ـ أي انتخابات ـ قبل أن تكون حزمة من الإجراءات تحكمها مجموعة من النصوص الدستورية والقانونية ـ هي بالأصل جزء لا يتجزأ من عملية شاملة هدفها إتاحة أوسع فرصة للتعبير عن الإرادة الشعبية عبر أداة ارتضاها المجتمع هي صناديق الاقتراع.

ولعله صار مستقراً في كل بلاد العالم المتقدم ديمقراطياً أن الأوراق التي تحتويها صناديق الانتخابات لا تعد هي التعبير الصحيح عن الإرادة الشعبية إن لم يسبق عملية الاقتراع نفسها مجموعة من الضمانات والإجراءات إلى جانب توفير الأجواء وتقنين الضمانات الكفيلة بأن يأتي هذا التعبير عبر الصندوق عن تلك الإرادة تعبيراً لا تشوبه شائبة أو يعوقه عائق.

حتى هؤلاء الذين يضعون هدفاً لخوض الانتخابات الرئاسية تحت عنوان فضح آليات النظام اللاديمقراطية والمنافية لحقوق المواطنين، واعتبارها فرصة سانحة لتسليط الضوء على ممارساته المخالفة لقواعد الديمقراطية، يتناسون أنهم لن يضيفوا جديداً على ما يعرفه العالم عما يجري في مصر.

ولا شك أن هؤلاء تابعوا في كل مرة يزور فيها الرئيس السيسي بلداً غربياً المشهد المتكرر بنفس السيناريو ونفس الحوار الذي يعيد الغرب كلماته بنصوصها حول افتقاد مصر لكثير من معايير حقوق الإنسان، وفي كل مرة يعيد الرئيس نفس عبارات حججه في الرد عليهاـ ووصل في رده خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا بمطالبة القوى الغربية التي تثير قضية حقوق الانسان في مصر إلى تذكيرهم بأنهم يهتمون بجانب واحد من حقوق الإنسان، ويلحون عليها في الوقت الذي تعاني فيه مصر ليس فقط من غياب الحريات السياسية، ولكن أحداً منهم لا يسأل عن فقدان الحد الأدنى من توافر تعليم جيد وصحة جيدة ومسكن ملائم وكلها غير متوافرة في مصر.

النظام الذي يحاجج الغرب بهذه الطريقة لن يتطوع بإعطاء المعارضة فرصتها للنجاح في تغيير النظام خوفاً من فضيحة متصورة تسعى إليها المعارضة وكأنها تأتي بجديد.

في الوقت الذي تتعثر خطوات المعارضة المدنية في التوافق على مرشح تجمع قواها خلفه، تبدو السلطة الحاكمة متعثرة في الحصول على عملية انتخابية تظهرها في صورة أفضل من صورة الاستفتاءات السابقة على إقرار الدستور لإجراء انتخابات رئاسية تنافسية بين أكثر من مرشح.

المأزق مشترك بينهما، المعارضة تبحث عن ذلك المرشح الذي يضمن لها إحداث اختراق جاد في الانتخابات، والسلطة تبحث عن مرشح يضمن لها صورة انتخابات تنافسية حتى ولو لم تكن حقيقية.

قناعتي التي أجازف بالإعلان عنها أن فرص أهل المعارضة في التوافق على مرشح جاد لا تزيد عن فرص أهل الحكم في إيجاد مرشح ملائم.

وحتى لو توافقت قوى المعارضة المدنية على مرشح تخوض به معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة فإن فرصتها في جمع التوكيلات أو توفير العدد المطلوب من النواب لتأييد ترشيحه تبدو صعبة وغير مضمونة.

الشهرة وحدها لا تكفي لتكون هي الأساس في اختيار مرشح للتوافق عليه، وكثير من هؤلاء الذين يحظون ببعض الشهرة يفتقدون خطاب الضمان الشعبي الذي يمكن تسييله داخل صناديق الانتخابات أصواتاً تؤيده وتدفع به إلى منافسة جادة مع الرئيس المرشح.

العامل الوحيد الذي يمكن أن يضمن اختراقاً حقيقياً لكل هذه المعوقات هو وجود شخصية وطنية لها رصيد سياسي كبير، واحترام وطني عام، يقنع مساحة واسعة من المواطنين بالنزول والمشاركة في الانتخابات والالتفاف حوله، والدفع به إلى منافسة جادة، وهو غير متوافر، سواء بعزوف البعض عن خوض غمار معركة معروفة نتائجها سلفاً أم بسبب هذا التشويه المتعمد والممنهج لكل شخصية عامة يمكن أن تفكر في الترشح، إضافة إلى أن التباينات بين قوى المعارضة لن تسمح بسهولة بالتوصل إلى هذا المرشح المأمول.
حتى “نزيهة” وحدها لم تعد تكفي في ظل انعدام الضمانات الجادة التي تمنع أي إمكانية للالتفاف على الإرادة الشعبية.

بعض مجموعات المنطوية تحت مسمى القوى المدنية يطرح «المقاطعة النشطة» لانتخابات لا يرون أي مظاهر لجديتها، والبعض الآخر يطرح المشاركة الفعالة بديلاً عن المقاطعة السلبية.

أصحاب نظرية المشاركة بفاعلية يرون أن الترشح يمنح القوى المدنية فرصة مهمة للتواصل المقطوع بين المعارضة والجماهير، فرصة تسمح للناس بالاطلاع على برنامج بديل لسياسات الرئيس الذي سوف يكون عليه بصفته مرشحا منافساً أن يتلقى ويتقبل النقد لمجمل أداءه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

إلى جانب هؤلاء وهؤلاء هناك الآملين في إحداث اختراق وتحقيق نتيجة مفاجئة.
والحق ـ في نظري ـ أننا امام عملية تغيير بالنقاط بعدما فاتت فرصة التغيير بالضربة القاضية التي سنحت في يناير 2011، التي أسقطت مبارك ومنعت التوريث ولم تستطع مواصلة طريق إلى تغيير النظام الذي ثارت ضده الملايين.

ليس أمام القوى المدنية غير النظر إلى الانتخابات بوصفها محطة على طريق طويل من النضال السلمي من أجل التغيير، وهي عملية متراكمة ومتصلة ومتواصلة، وقد لا تكون قادرة على تحقيق الهدف المباشر من أي انتخابات في هذه المرحلة، وهي فوز المرشح الذي يتبنى ويسعى إلى تحقيق أهداف ثورتي يناير ويونيوـ ولكن يكفي أن تكون فرصة لنشر الوعي بهذه الأهداف بما ينتجه من ضغوط لتعديل مسار الأداء غير الرشيد للحكم وتسييرها في اتجاهات تحترم م
طالب الشعب وحقوقه.
وفي هذا قد يكون من المفيد وجود أكثر من مرشح خاصة وأن القوى المدنية لم تصل بعد إلى النضج الكافي لتوحيد قواها بالأفعال وليس بالأقوال، ومن ثم يكون المرشح التوافقي هدف بعيد المنال.

الاعتراف بالواقع فضيلة، والدفع بأكثر من مرشح في هذه الحالة ربما يكون أكثر فائدة، خاصة إذا أقررنا أن الفوز بها بعيد هذه المرة، وليترشح من يريد من المرشحين المحتملين، وفي سياق نتائج الحملات الانتخابية يمكن التوافق على مرشح واحد أو استمرار أكثر من مرشح.

إلى جانب هذا الوضع غير المواتي في الداخل، فإن الوضع في الإقليم أكثر تناقضاً مع اطروحات المعارضة الوطنية ويتجه إلى التفاقم أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة، كما أن الوضع الدولي بما فيه هؤلاء الذين ينتقدون أوضاع حقوق الانسان في مصر هو أكثر تلائما وربما انحيازاً لاختيارات الرئيس المرشح وسياساته في المنطقة والعالم، وهكذا تتعانق المعوقات في الداخل التي تقف حجر عثرة امام أي تغيير حقيقي في مصر مع رفض إقليمي ودولي لمثل هذا التغيير في سياسات مصر الإقليمية والدولية.

مأزق معقد ومركب تعيشه مصر، معارضة مدنية معزولة عن الشارع ومعارضة اسلامية معزولة عن الواقع، يواجهون متفرقين حكومة معزولة عن الاثنين، عن الشارع وعن الواقع.