نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. هل تهيأت الأجواء؟

يبدو أن الأجواء الحالية قد تهيأت لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة قريبًا، وهو الوعد الذي قطعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على نفسه منذ إطلاق حملته الانتخابية، لكنه بقى تحت الرماد لعدة أشهر، وهي الفترة التي استغلتها الإدارة الأمريكية لتهيئة الأجواء الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام، لاستقبال هذا الحدث بالترحيب أو على الأقل بالصمت والخذلان كعادة الزعماء العرب، وبعد أن قطعت الدول العربية أشواطًا في التطبيع مع الاحتلال، وفي ظل الحديث عن “صفقة القرن” أو بالأحرى صفقة تصفية القضية الفلسطينية، باتت الأحلام الصهيونية أقرب إلى التحقق، وأصبح الحديث الأمريكي عن نقل السفارة إلى القدس قريبا من أرض الواقع.

أمريكا ترجئ التنفيذ

قال مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، إن ترامب، يدرس بجدية موعد وكيفية نقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس، وأضاف بنس، على هامش الاحتفال بالذكرى السبعين لتصويت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين الذي دعا إلى إقامة دولة إسرائيل، إنه سيخاطب البرلمان الإسرائيلي خلال زيارة له ليوجّه رسالة حازمة يؤكد فيها “الالتزام بعلاقات أوثق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والوقوف معًا دفاعًا عن كل ما نعتزّ به”، وأضاف: “الأمم المتحدة “غالبًا ما تكون منتدى لمعاداة السامية والكراهية، لكن الأيام التي تتعرض فيها إسرائيل للتقريع في الأمم المتحدة قد ولّت”، وتابع: “أُعلن بسرور أن دعم أمريكا لأمن إسرائيل وصل إلى مستوى قياسي اليوم.. ترامب لن يساوم أبدًا على سلامة وأمن اسرائيل”.

تصريحات نائب الرئيس الأمريكي تُعيد إلى الذاكرة وعود ترامب، خلال حملته الانتخابية وبعد تنصيبه في يناير الماضي، حيث وعد بـ”نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس”، رغم أنه عاد في يونيو الماضي ليعلن أنه لن ينقلها في الوقت الحالي، وهو ما فسره مسؤول أمريكي رفيع حينها، بقوله إن ترامب وقع وثيقة تبقي السفارة في تل أبيب تأخيرا للقرار وليس تراجعًا عنه، مؤكدا أن ترامب ملتزم بوعده بنقل السفارة في نهاية المطاف إلى القدس، وقال: “مسألة وقت”، مشيرا إلى اعتقاد ترامب أن التوقيت ليس مناسبا الآن، وأن تأجيل نقل السفارة يستهدف تعظيم فرص التفاوض على اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

صفقة القرن

تجديد الحديث عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في هذا التوقيت بالتحديد يتناسق مع الحديث عن اقتراب إنجاز ما يطلق عليه “صفقه القرن”، فقد ذكر موقع “ميديل إيست آي” البريطاني، قبل أيام، نقلًا عن مصدر دبلوماسي غربي ومسؤولين فلسطينيين، أن فريقًا أمريكيًا بصدد وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النهائي الذي وضعه الرئيس ترامب للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وبحسب الموقع البريطاني فقد تضمن الاتفاق إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية، وتوفر الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة، في مقابل تأجيل مناقشة وضع القدس وقضية عودة اللاجئين، والبدء في مفاوضات جدية حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

في ذات الإطار، قال دبلوماسي غربي للموقع البريطاني، إن المستشار الخاص لترامب ورئيس فريقه لعملية السلام جاريد كوشنر، خلال زيارته الأخيرة للسعودية، أطلع ولي العهد محمد بن سلمان، على الخطة، وطلب منه المساعدة في إقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بقبولها على أن يتم تقديمها رسميًا في أوائل عام 2018، وأكد الدبلوماسي الغربي أن بن سلمان، متحمس جدًا للخطة، وأنه حريص على التوصل إلى اتفاق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل أولًا، ثم بين إسرائيل والدول العربية كخطوة أولى لتشكيل ائتلاف بين السعودية وإسرائيل لمواجهة التهديد الإيراني.

هذا الحماس والتفاؤل السعوديان انعكسا سريعًا على تحركات ولي العهد الذي استدعى الرئيس الفلسطيني، مطلع نوفمبر الجاري، ليطلعه على الاقتراح، وطلب منه، وفق مصادر دبلوماسية، قبول الخطة وإبداء رأي إيجابي بشأنها أو الاستقالة، وأكد بن سلمان، حينها لـ”عباس” أنه مستعد لاستثمار كميات ضخمة من رؤوس الأموال في الصفقة، وأنه سيعطي القيادة الفلسطينية الحوافز اللازمة لدفعها للاستجابة الإيجابية، كما قدم عرضًا وقتيًا للرئيس الفلسطيني بزيادة الدعم المالي السعودي للسلطة الفلسطينية بثلاثة أضعاف تقريبًا من 7.5 مليون دولار شهريًا إلى 20 مليون دولار، مقابل القبول بالصفقة.

في ذات الإطار، أكدت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن بعض الدول العربية لم تألُ جهدًا في دعم صفقة القرن “الترامبية”، فقد كشفت الصحيفة أن كلا من مصر والسعودية تمارسان حاليًا ضغوطًا هائلة على رئيس السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل وتعميق التعاون الأمني معها، وأشارت الصحيفة إلى أن السعودية ومصر والأردن وإسرائيل ودول خليجية أخرى ترى في استئناف المفاوضات ضرورة لتدشين جبهة “لمواجهة تحديات الإرهاب المشتركة في المنطقة”.

عباس، الذي يستميت للحفاظ على منصبه الرئاسي، حتى على حساب مصلحة دولته، لم يُبد اعتراضه على الصفقة الأمريكية الإسرائيلية، بل خرج، قبل أيام، ليؤكد “استعداده لعقد اتفاق سلام تاريخي تحت رعاية ترامب، ليعيش الشعب الفلسطيني بكرامة وسيادة في دولته المستقلة على حدود عام 1967″، وأضاف، في خطاب ألقاه بمقر مجلس النواب الإسباني في إطار فعاليات اليوم الثاني من زيارته الرسمية لإسبانيا: لا يعقل للدول التي تعترف بإسرائيل وتؤمن بحل الدولتين أن تعترف بدولة واحدة ولا تعترف بالدولة الأخرى.

التطبيع العربي الإسرائيلي

“لم تعد القضية الفلسطينية عائقا أمام التطبيع مع الدول العربية”، هذا التصريح الذي كرره العديد من المسؤولين الصهاينة في مختلف المناسبات، يمكن أن يلخص رؤية الكيان الصهيوني لاهتمام الزعماء والأمراء والملوك العرب بما يسمونها القضية المركزية للدول العربية، التي باتت في الوقت الحالي الوسيلة والذريعة للتقارب مع الاحتلال والتعاون معه، فالحديث عن التطبيع العربي الصهيوني وخاصة من جانب دول الخليج يمكن أن يفرد له مجلدات، خاصة بعد أن توغل وأصبح يشمل جميع المجالات، السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية وحتى الفنية والرياضية.

الكثير من المؤشرات خلال الفترة الأخيرة تدل على إنجاز أشواط طويلة في تطبيع العلاقات والتقارب مع الكيان الصهيوني، فمن تصريحات المسؤولين الصهاينة إلى نظيرتها العربية، وصولًا إلى الزيارات السرية والعلنية، مرورًا بالتنسيق الاستخباري والعسكري والسياسي في العديد من القضايا، وتوحد الرؤى العربية الإسرائيلية حول العديد من الملفات، كلها تصب في خانة تصفية القضايا العربية واللهث وراء التقارب مع الاحتلال وتنفيذ أهدافه ومخططاته وإنجاز مصالحة في المنطقة.

الأحلام الصهيونية تتحقق

حملات التطبيع وصفقة القرن التي تسير بخطوات ثابته باتجاه التنفيذ، وغيرها من المؤشرات داخل فلسطين وخارجها، ترمي في مجملها إلى قرب تنفيذ المخطط الصهيوأمريكي بشكل فعلي على أرض الواقع، فمخاوف أمريكا التي كانت تمنعها من الإقدام على خطوة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كلها تبددت، وباتت الجامعة العربية منبرا لإطلاق التوجيهات الصهيوأمريكية في الشرق الأوسط وتنفيذ المخطط التاريخي بتصفية القضايا العربية واللهث وراء المصالح الأمريكية والإسرائيلية، والدول العربية وخاصة الخليجية منها، حدث ولا حرج فيما يخص خطواتها التطبيعية مع الاحتلال والسير تحت العباءة الأمريكية، الأمر الذي يجعل الأحلام الصهيونية قريبة من أرض الواقع، وليس مستبعدا أن يصل الأمر يومًا إلى الاعتراف العربي الأمريكي رسميًا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأن تكون الدول الخليجية صاحبة المبادرة الأولى بنقل سفاراتها إلى هناك.