من موجابي إلى منانجاجوا.. زيمبابوي تسلط الضوء على دور الصين في إفريقيا

أدى إيمرسون منانجاجوا اليمين الدستورية كرئيس جديد لزيمبابوي، خلفًا لروبرت موجابي، الذي قدم استقالته في 21 نوفمبر 2017، بعد انقلاب عسكري ضده؛ لينهى 37 عامًا من سيطرة لم يسبق لها مثيل على زيمبابوي منذ استقلالها عام 1980.

بدأت الأحداث في زيمبابوي في 14 نوفمبر عندما قاد الجنرال كونستانتينو شيوينجا انقلابًا لانتزاع السلطة من الرئيس موجابي وضمان عودة منانجاجوا، الذي طالما كان ذراع الجيش داخل النظام الحاكم، وتمت إقالته من منصب نائب الرئيس قبل أسبوعين من الانقلاب.

ومع ذلك لا أحد يعرف سوى القليل عن الأبعاد الدولية لهذا الانقلاب العسكري، وتحديدًا دور الصين.

وفي هذا الصدد نشر موقع مجلة “ذا ديبلومات” تقريرًا يسلط الضوء على مصالح الصين التاريخية مع تلك الدولة الإفريقية زيمبابوي.

يقول التقرير إنه على الرغم أن الصين نفت رسميًّا أي تورط لها في تحرك الجيش ضد موجابي، إلا أنه يبدو أنها كانت داعمة له على الأقل ضمنيًّا.

أقامت الصين علاقات عميقة مع القيادة السياسية في زيمبابوي منذ حرب التحرير – المعروفة أيضًا باسم الحروب الأهلية الروديسية – في فترة الستينيات والسبعينيات. وقد تلقى جيش التحرير الوطني الإفريقي الزيمبابوي، الجناح العسكري للاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي– الجبهة الوطنية “زانو بي إف” بقيادة روبرت موجابي، أسلحة وتمويلاً من الصين.

ومنذ إعلان استقلال زيمبابوي عام 1980، واصلت الصين تعزيز العلاقات الاقتصادية معها، حيث إن لديها استثمارات في التعدين والزراعة والطاقة والبناء.

وفي عام 2015 أصبحت الصين أكبر سوق للصادرات في زيمبابوي، وتمتلك أكبر حصة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيها (74 %).

وفى إشارة رمزية لبيان مدى عمق العلاقات الصينية مع الجيش الزيمبابوي بشكل خاص، مولت الصين بناء كلية الدفاع الوطني الجديدة في زيمبابوي، التي تتولى تدريب قوات الدفاع والأمن الداخلي.

وفي جانب مُوازٍ لمبيعات الأسلحة، هناك عائدات حقول مارانجي للماس في زيمبابوي، حيث كان المستثمر الرئيسي في هذه الحقول هو شركة “أنجين إنفستمينت” الصينية.

ويؤكد تقرير موقع “ذا ديبلومات”، الذي يهتم بقضايا منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أن استثمارات مناجم الماس هي مصدر مخاوف متزايدة للصين إزاء سياسات نظام موجابي، التي تفرض 51 % ملكية محلية من حصة الشركات الأجنبية.

وكانت الشركتان الصينيتان، أنجين وجينان، بدأتا عملياتهما في عام 2012 مع 51% من الأسهم مملوكة من قبل شركات زيمبابوية محلية، إلا أن الحكومة الزيمبابوية دمجت الشركات المحلية في شركة الماس ( ZCDC) المملوكة للدولة في عام 2015؛ مما أدى إلى معارضة شديدة من قبل الحكومة الصينية.

وأدت تلك الأزمة إلى تدهور عام في العلاقات بين الصين وزيمبابوي؛ لذا رفضت الصين دعم موجابي في حملته ضد المعارضة عام 2016.

نفس الخطر الذي يهدد الاستثمارات الصينية في مناجم الماس يواجه الجيش الزيمبابوي الذي تفيد التقارير أنه يسيطر على 30 % من حصة شركة “أنجين إنفيستمنت” الصينية السالفة الذكر من خلال شركة تابعة.

وفي 8 نوفمبر الجاري كان الجنرال شيوينجا، رئيس قوات الدفاع في زيمبابوى ومهندس الانقلاب العسكري، في بكين قبل أيام من عودته ونشر قواته في شوارع العاصمة الزيمبابوية.

لذلك وفقًا للتقرير – على الرغم من نفي الصين أي تورط في الانقلاب العسكري ضد موجابي وإعلانها عن تبني نهج “الانتظار والمراقبة” – فإن رئاسة منانجاجوا بدعم من الجيش الزيمبابوي ستضمن للقوات المسلحة قبضة قوية على السياسة والاقتصاد في البلاد، وبالتالي تتلاقى مع ضمان مصالح الصين في تلك الدولة الإفريقية.

وتحت عنوان “أزمة زيمبابوي تسلط الضوء على دور الصين في إفريقيا” أشار تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أنه عندما وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى العاصمة الزيمبابوية هراري؛ للقيام بزيارة للدولة قبل عامين، نزل من طائرته، وتصافح لعدة دقائق مع روبرت موجابي في بادرة من الدفء ترددت أصداؤها عبر إفريقيا.

ونقلت الصحيفة البريطانية عن هانا رايدر، مؤسس شركة “ديفيلوبمنت ريميجيند” الاستشارية، قولها: “كان واضحًا أن الرئيس الصيني كانت له علاقة شخصية مع موجابي، وليست مجرد علاقات سياسية”.

الآن بعد الإطاحة بموجابي، فإن دور الصين المتنامي في إفريقيا يأتي تحت الضوء مرة أخرى.

قام الجنرال شيوينجا بزيارة رسمية استغرقت يومين للصين. وأثارت تلك الرحلة تقارير أن الصين قد تم إعلامها مسبقًا بالعملية العسكرية، بينما رفضت بكين بشدة تلك التكهنات هذا الأسبوع قائلة إنها محاولات وسائل الإعلام الغربية لعمل مكيدة بين الصين وإفريقيا.

وقال لوك باتي، الباحث البارز في المعهد الدانمركي للدراسات الدولية، إنه “لا يوجد حتى الآن مؤشر قوي على دور مباشر لبكين في الانقلاب ضد موجابي، لكن في الوقت نفسه لم تقف في طريقه”.

وأشار تقرير “فايننشال تايمز” إلى أن تقارب الصين مع موجابي كان بقايا حقبة قامت فيها بكين بتمويل حركات ثورية في مختلف أنحاء العالم النامي تحت حكم ماو تسي تونغ.

يذكر أن العديد من قدامى المحاربين في معارك التحرير الزيمبابوية، بمن فيهم الرئيس الجديد منانجاجوا، قد تلقوا تدريبًا عسكريًّا في الصين.

لكن حتى عندما كان الرئيس الصيني يصافح موجابي في مطار هراري في ديسمبر 2015، لم تكن بكين داعمة له من وراء الكواليس.

وفي مواجهة أزمة اقتصادية متجددة بعد فترة قصيرة من الاستقرار، طلب موجابي الدعم من الرئيس الصيني، وفقًا لدبلوماسيين غربيين. لكن رفض شي جين بينغ، وطلب من الزعيم المسن البالغ من العمر 93 عامًا وضع خطة خلافته وإعادة إقامة علاقات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وقال الدبلوماسيون إنه بعد ذلك اللقاء المخيب للآمال، بدأت هراري مناقشات تهدف لبدء برنامج مع صندوق النقد الدولي؛ لتخليص متأخراتها من الديون. هذه الخطة تعرقلت في نهاية المطاف.

وإذا كانت هناك محاولة لهندسة خطة خلافة منظمة، فقد تم عرقلتها بوقاحة من قبل زوجة الرئيس، جريس موجابي، التي كانت تطمح في خلافته.

ويلفت تقرير “فايننشال تايمز” إلى أن استعداد الصين الواضح لدعم حصان جديد يتمثل في منانجاجوا، الملقب بـ”التمساح” يأتي على النقيض من موقف الصين المعتاد في الأزمات الإفريقية السابقة، حيث كثيرًا ما كانت تصر على دعم الديكتاتور الودود.

على سبيل المثال، قرار الصين عام 2011 دعم الديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي إلى النهاية كلفها مليارات الدولارات في عقود نفطية حكومية ألغتها السلطات الليبية الجديدة.

لكن في حالة زيمبابوي، أظهرت بكين انفصالاً أكثر عمقًا عن سياساتها المعتادة، حيث لم يكن هناك حتى أي إدانات للانقلاب.

منذ الخمسينيات التزمت بكين علنًا بـ”خمسة مبادئ للتعايش السلمي”، بما في ذلك عدم التدخل في شؤون دول أجنبية. لكن الآن مع نمو دور بكين العالمي، فإنه لا يمكنها تجنب التشابك.

تعد الصين اكبر مستثمر في زيمبابوى وأكبر شريك تجارى لإفريقيا. وربما تعتبر زيمبابوى حالة مختلفة، نظرًا إلى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانتا أقل وجودًا هناك بسبب العقوبات.

افتتحت بكين أول قاعدة عسكرية أجنبية في العام الماضي في جيبوتي، وشرعت في نشر أول قوات قتالية في الخارج عام 2015 لبعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب السودان والدول الإفريقية الأخرى.

وفى السودان وجنوب السودان، حيث تتمتع الصين بمصالح نفطية، مارست بكين دور أكثر نشاطًا، واشتركت في دبلوماسية مكوكية بين الحكومة وجماعات المعارضة وبناء روابط عبر المجتمع المدني.

وقال تقرير لمجموعة الأزمات الدولية إن درجة مشاركة الصين في جنوب السودان كان من غير الممكن تصورها قبل بضع سنوات.

وقد تكون زيمبابوي علامة أخرى على البراجماتية الصينية، حيث يقول الباحث لوك باتي لـ”فايننشال تايمز”: “إذا تم ضمان مصالحها، فإن الصين ستتكيف مع تدفق التغيير السياسي.. إنها إشارة إنذار للديكتاتوريين الأفارقة الآخرين المدعومين من الصين منذ فترة طويلة مثل عمر البشير في السودان”.