من لبنان إلى كوريا الشمالية.. أزمات إقليمية ودولية تفضح التناقضات الأمريكية

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش أزمة عميقة داخل دوائر صنع القرار، فالأزمات الإقليمية والدولية المشتعلة منذ فترة، والتي عمل الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، على تأجيجها مؤخرًا، أظهرت مدى التناقض الذي تعيشه الإدارة الأمريكية، خاصة في عهده.
أزمة لبنان تطرح تساؤلات
وسط أزمة عربية مشتعلة منذ أيام بين لبنان والسعودية على خلفية تقديم رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، استقالته من منصبه في المملكة، وفي ظل الحديث عن ظروف احتجاز «الحريري» هناك وبقائه قيد الإقامة الجبرية، وبين نفي السعودية لهذه الأنباء وتأكيد لبنان لها وتحذيرها المملكة من عواقب هذا الاحتجاز، تخرج الولايات المتحدة الأمريكية عن صمتها بتصريحات متناقضة، فتحت الباب أمام المزيد من التساؤلات حول وجود خلافات جوهرية بين المؤسسات الأمريكية المعنية بصنع القرار، خاصة وزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض المتمثل في «ترامب» ودائرة مستشاريه.
قال وزير الخارجية الأمريكي، «ريكس تيلرسون»، أمس السبت، إن واشنطن تؤيد استقلال لبنان، وتحترم رئيس حكومته، سعد الحريري كشريك قوي لها، مضيفًا أن واشنطن تحث كافة الأطراف داخل وخارج لبنان على احترام استقلال لبنان ومؤسساته الوطنية الشرعية، ومن ضمنها الحكومة اللبنانية والقوات المسلحة، وأشار «تيلرسون» إلى أن الولايات المتحدة تدعم الاستقرار في لبنان، وتعارض أي عمل من شأنه تهديد استقراره، محذرًا من أن «يقوم أي طرف داخل أو خارج لبنان باستعماله كساحة للنزاعات بالوكالة أو المساهمة بأي شكل في عدم الاستقرار في البلد».
تصريحات «تيلرسون» فسرها العديد من المراقبين على أنها دعوة إلى السعودية لعدم تصعيد الأزمة مع لبنان، ومحاولة منه للنأي ببلاده عن أي مخطّطات للتدخل عسكريًّا في لبنان، خاصة في الوقت الذي يهدد فيه الرئيس اللبناني، ميشال عون، باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي للتحقيق في احتجاز المملكة السعودية لرئيس الوزراء اللبناني، وذلك بعد أن أمهل «عون» الرياض أسبوعًا لمعرفة مصير رئيس وزرائه وعودته إلى لبنان، كما أن هذه التصريحات لم تكن الأولى لوزير الخارجية الأمريكي التي تعبر عن انتقاده لتصرفات المملكة ودعمه لاستقرار لبنان، حيث سبق أن أكد في بداية الأزمة أن بلاده تراقب الموقف بعناية شديدة، وتدعم حكومة لبنان الشرعية، وتطالب الأطراف الخارجية الأخرى بعدم التدخل فيه، وأضاف «تيلرسون» حينها: إذا كان الحريري سيتنحى، كما أفهم الأمر، فعليه العودة إلى لبنان لجعل الاستقالة رسمية. آمل أن يفعل ذلك إذا كانت نيته لا تزال التنحي؛ وذلك حتى تتمكن الحكومة اللبنانية من أداء مهامها كما ينبغي.
في الوقت نفسه جاءت تصريحات «تليرسون» متناقضة تمامًا مع رؤية الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، الذي طالما بادر بالمباركة والترحيب بالخطوات والإجراءات السعودية، وخاصة تلك الموجهة ضد إيران وحزب الله، إن لم تكن تلك الإجراءات يتم اتخاذها في الأساس بضوء أخضر من واشنطن أولًا، فالرئيس الأمريكي خرج عن صمته قبل أيام ليعلن تأييده الكامل وثقته العمياء في خطط العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز، والرأس المدبر والمتحكم الرئيسي في المملكة حاليًّا، محمد بن سلمان، وقد ظهر ذلك عندما غرد «ترامب» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» قائلًا: «لديَّ ثقة كبيرة في الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد، إذ إنهما يعرفان بالضبط ما يجب القيام به».
وأضاف الرئيس الأمريكي في تعليقه على حملة الاعتقالات التي شنها العاهل السعودي «بن سلمان» في 4 نوفمبر الجاري ضد عدد من الأمراء من العائلة المالكة والوزراء ورجال الأعمال السعوديين، قائلًا «بعض أولئك الذين يعاملون بصرامة في السعودية حاليًّا استنزفوا بلدهم لسنوات»، لكن يبدو أن وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تليرسون» كان له رأي مغاير لرئيسه، حيث عبر «تيلرسون» عن قلقه جراء ما وصفه بـ«حملة التطهير غير المسبوقة التي يجريها ولي العهد السعودي»، قائلًا إن الحملة تثير بعض المخاوف، حتى نرى بشكل أوضح كيف سيجري التعامل مع هؤلاء الأفراد.
«تيلرسون وترامب».. خلافات على طول الأزمات
الأزمة السعودية، سواء الداخلية، أو الخارجية مع لبنان، لم تكن الأولى التي تكشف أن التناقض والانقسام في أمريكا باتا يضربان بجذورهما في أعماق الحياة السياسية هناك، وخاصة دوائر صنع القرار، فقد سبقتها الأزمة الخليجية بين دول المقاطعة الأربعة «السعودية والبحرين والإمارات ومصر» من جانب وقطر من جانب آخر، حيث خرج «ترامب» بعد ساعات من إعلان مقاطعة قطر في الخامس من يونيو الماضي، ليعرض لعب دور الوسيط لحل الأزمة، وما لبث أن تغير موقفه بعد أيام قليلة بتصريح واضح، دعا فيه قطر إلى التوقف فورًا عما أسماه بـ«دعم الإرهاب»، معلنًا دعمه للإجراءات التي اتخذتها دول المقاطعة ضد قطر، مؤكدًا أن عزل الدوحة يشكل «بداية نهاية رعب الإرهاب»، ليخرج وزير الخارجية الأمريكي بعدها ويناقض تصريحات «ترامب»، معلنًا أن «واشنطن هي أكثر من يعرف جهود قطر لمواجهة الإرهاب»، وأضاف «تيلرسون» حينها أن «الحصار الذي تفرضه دول خليجية على قطر غير مقبول. نعتقد أنه من المهم بقاء مجلس التعاون الخليجي موحدًا»، مؤكدًا على أن «ترامب» تحدث مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، هاتفيًّا، وعرض عليه المساعدة في حل الأزمة الدبلوماسية مع الدول العربية.
الوضع لم يختلف كثيرًا بشأن كوريا الشمالية، ففي الوقت الذي يخرج فيه الرئيس الأمريكي للتصعيد مع الزعيم الكوري الشمالي، «كيم جونغ أون»، ويشن فيه حربًا كلامية لاذعة ضد تجاربه النووية، ويهدد بشن الحرب وإبادة تلك الدولة، ويؤكد أنه «لن يضيع وقته وجهده في الحوار مع الديكتاتور الكوري» حسب الوصف الأمريكي، يأتي «تيلرسون» ليناقض التصريحات «الترامبية»، ويؤكد أن أفضل طريقة لحل الأزمة الكورية الوسائل الدبلوماسية.
يبدو أن كل مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية تعمل كل على حدة وفقًا لرؤيتها والمجال المعنية به، فوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» تنظر لأي أزمة إقليمية أو دولية من الزاوية الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يجعلها تنحي الخلافات جانبًا، وتبحث عمليًّا مدى تأثير هذه الأزمة عليها، وأكبر دليل على ذلك الأزمة الخليجية، فالبنتاجون مالت كثيرًا إلى كفة التهدئة مع قطر بالتناسق مع موقف وزير الخارجية «تيلرسون»، نظرًا لكون قطر تملك أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط “العديد”، وأي خلافات معها أو تصعيد من جانب الدول المقاطعة قد يؤدي إلى تعطيل العمليات العسكرية التي تنطلق من قاعدة “العديد”، لكن «ترامب» يسير وفقًا لأهوائه السياسية، كما أكد العديد من السياسيين والخبراء أن تناقض مواقف «ترامب» مع إدارته ومؤسسات دولته، ناهيك عن تناقضه مع نفسه بين الحين والآخر، يرجع إلى جهله بالعلاقات الأمنية والعسكرية والسياسية وتهوره السياسي؛ مما يجعله غير مؤهل لقيادة بلاده في الأزمات.