مناطق خفض التوتر في جنوب سوريا.. تأويل أمريكي وتصحيح روسي

تعود مناطق خفض التوتر في سوريا مجددًا إلى الواجهة، من البوابة الأمريكية؛ فبصورة غير مباشرة تحاول واشنطن ذر التراب في الجنوب السوري لإخفاء المطامع الإسرائيلية في المناطق الحدودية، وتوظيف التحركات لصالح تل أبيب؛ بزعم أن وثيقة الرئيسين الأمريكي والروسي، حول سوريا، التي أعلنت في فيتنام، تتضمن انسحاب قوات حلفاء الجيش السوري من منطقة خفض التصعيد الجنوبية، في وقت أعلن فيه رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، أن قواته ستتحرك في المنطقة الجنوبية وفقًا لأجندتها الخاصة.

سياسة الأمر الواقع التي حاولت واشنطن فرضها على المناطق الجنوبية في سوريا لم تنطلِ على موسكو، فلا مجال للبس في وثيقة فحصت جيدًا من الطرفين، حيث تحدث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع نظيره الروسي فلادمير بوتين، ثلاث مرات على هامش مشاركتهما في قمة المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «أبيك»، التي اختتمت أعمالها السبت الماضي في فيتنام.

من جهتها، رفضت الرئاسة الروسية، أمس الاثنين، ما اعتبرته «تأويلا خاطئا» من واشنطن لمضمون اتفاق «خفض التوتر» في الجنوب السوري، الذي تم التوافق عليه بين الأردن وروسيا والولايات المتحدة، معتبرة «أنه لا محل للتفسير والتأويل، ولا بد من الاستناد إلى نص المذكرة الصحيح»، وجاءت الاعتراضات الروسية عقب تصريح الخارجية الأمريكية بأن التفاهم الثلاثي فيما جنوب سوريا، ينص على جلاء جميع القوات الأجنبية عن جنوب البلاد، بما فيها القوات والفصائل الموالية لإيران، وأن روسيا وعدت ببحث القضية مع النظام السوري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، إنّ المذكرة قبل الإعلان عنها، خضعت للبحث والمشاورات على مستوى الخبراء، وتم الاتفاق على صيغتها بين وزيري الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، والأمريكي، ريكس تيلرسون، قبل أن ترُفع إلى الرئيسين بوتين وترامب، اللذين أقرّاها بشكل نهائي.

الزعم الأمريكي لم يتوقف عند هذا الحد؛ فمسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية، قال أيضًا إن مذكرة عمّان تضمن بقاء جنوب غرب سوريا تحت سيطرة فصائل المعارضة حتى إتمام التسوية السياسية، لكن الرد الروسي كان حاضرًا، حيث دعا بيسكوف، واشنطن إلى الكف عن محاولات تأويل نص المذكرة الأردنية الروسية الأمريكية المبرمة في عمّان في الـ8 من الشهر الجاري حول جنوب غربي سوريا.

محاولات واشنطن الالتفاف على فحوى اتفاقها مع روسيا حول الجنوب السوري، يصب في صالح تل أبيب، حيث تتزامن مع تعديات صهيونية على أراضي الجنوب السوري، فجيش الاحتلال الإسرائيلي كان ساعد المجموعات المسلّحة للتقدم داخل بلدة الحضر السورية، إحدى قرى جبل الشيخ في مرتفعات الجولان، وتبعد عن دمشق 75 كيلومترا باتجاه الجنوب الغربي، الأمر الذي دفع الأهالي في الجولان المحتل للانتفاض ضد الدعم الإسرائيلي لهجوم جبهة النصرة على بلدة حضر.

وفي محاولاته المستمرة لانتهاك الجنوب السوري، أعلن جيش الاحتلال السبت الماضي، إسقاط طائرة سورية، روسية الصنع، كانت تنفذ مهمة استطلاع فوق الجزء الذي تحتله إسرائيل من هضبة الجولان.

تل أبيب مازالت قلقة من انتصارات الجيش السوري وحلفائه، ويعززه تكذيب موسكو الأخير لتصريحات واشنطن بإخلاء مناطق خفض التوتر في جنوب سوريا من حلفاء الجيش السوري تدريجيًا، حيث ألمح رئيس وزراء الاحتلال بالأمس، إلى أن يد بلاده طليقة في سوريا بصرف النظر عن اتفاق خفض التوتر الذي توصلت إليه واشنطن وموسكو، والتلميح هنا ليس موجهًا لواشنطن بالتأكيد، بل لروسيا، فتكذيب موسكو لتصريحات واشنطن حول مناطق خفض التصعيد الجنوبية، يعني أن الخطوط الحمراء للكيان الصهيوني بالجولان، والمتمثلة في إبعاد إيران وقواتها الحليفة منها، تم نسفها وتجاوزها من قبل روسيا.

ويبدو أن تل أبيب لم تنجح في فرض سياسة الأمر الواقع على موسكو، فرغم أن إسرائيل تعدت كثيرا على الأجواء السورية دون أن تتعرض لها المضادات الروسية الموجودة هناك، إلا أن الكيان الصهيوني لم ينجح في استدراج روسيا لصالحها، فموسكو حتى الآن تعتبر الجولان أرض سورية محتلة، كما تعتبر جميع القوات الموجودة على الأرض السورية غير شرعية، باستثناء قواتها وقوات إيران، حيث منحت الحكومة السورية لكل منهما شرعية التواجد.

كما أن تصريحات الرئيس الروسي، التي تسير باتجاه شراكة استراتيجية مع طهران، بالإضافة إلى أنقرة التي بدأت بالتقارب مع المحور الروسي على حساب الأمريكي، لا تحمل التفاؤل لإسرائيل، حيث قال بوتين يوم الاثنين الماضي، إن روسيا وتركيا وإيران مازالوا يجنون ثمار تعاونهم في إطار عملية أستانة، داعيا إلى زيادة الجهود لتحريك التسوية السياسية وإعادة إعمار سوريا.

ويرى مراقبون أن الموقف الإسرائيلي المتصلب من مناطق خفض التصعيد الجنوبية، وتوجيهها تلميحات لروسيا بأن تحركاتها في هذه المناطق ستكون وفقًا لمصالحها، يوضح أن تل أبيب بدأت تفقد الرهان على تعديل مزاج الموقف الروسي وتقاربه مع طهران، خاصة أن وزير الخارجية الروسي، كان صرح في يوليو الماضي، بأنّ الاتفاق بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية حول مناطق خفض التوتر في سوريا، «سيراعي مصالح إسرائيل»، وهو ما لم يحدث، فمصالح الكيان الصهيوني تكمن في إبعاد إيران وحزب الله عن المناطق الجنوبية، وهو ما لم تفعله روسيا.