مقابلة الحريري.. أجواء مُريبة ورسائل ضمنية

شهدت لبنان أسبوعا متوترا، امتلأ باللغط السياسي والتهديدات والانتقادات والتكهنات، ورغم الحديث عن اختطاف رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، واحتجازه من قبل المملكة وإبقائه تحت الإقامة الجبرية، وتهديدات بعض قادة لبنان بتدويل القضية حال عدم عودته، وتوجيه بعضهم انتقادات لرئيس الوزراء المستقيل الذي أهان دولته بتقديم استقالته من خارج أراضيها، لكنه فضّل التزام الصمت لما يقرب العشرة أيام، ليقرر بشكل مفاجئ الخروج بحديث أضفى المزيد من الحيرة على المشهد السياسي، وأحاطت به أجواء مريبة، بداية من تعامل وسائل الإعلام اللبنانية معه، وصولًا إلى لغه الجسد التي فضحت ارتباك الحريري.

تجاهل الإعلام اللبناني

التزم العديد من القنوات المحلية اللبنانية بموقف رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، الذي اعتبر أمس الأحد، أن «كل ما صدر وما سيصدر عن رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، من مواقف أو خطوات أو ما ينسب إليه لا يعكس الحقيقة، وهو مجرد نتيجة للوضع الغامض الذي يعيشه بالسعودية، وبالتالي لا يمكن الاعتداد به»، حيث امتنعت غالبية القنوات الإعلامية، وأبرزها “المنار” و”OTV” و”NBN” و”LBC“، عن بث المقابلة التليفزيونية التي أجراها الحريري مع الإعلامية اللبنانية، بولا يعقوبيان، مساء أمس الأحد، وتعد الأولى منذ تقديم رئيس الوزراء اللبناني استقالته من الرياض في 4 نوفمبر الجاري.

السوشيال ميديا تشتعل

التعليق على حوار سعد الحريري مع الإعلامية بولا يعقوبيان، لم يقتصر على المختصين والسياسيين فقط، بل سارع العديد من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لإبداء الملاحظات والانتقادات على المقابلة، وراج هاشتاجان على «تويتر» بعنوان «تحت الضغط»، و«المغيّب سعد الحريري»، وأكد من خلالهما ناشطون أن الحريري «مسلوب الحرية» خلال وجوده في الرياض وأن كل ما حدث خلال هذا الأسبوع «تخطيط سعودي».

ولفت انتباه بعض رواد مواقع التواصل، الخزانة العتيقة التي ظهرت خلف الحريري، حيث يظهر أن مقبض أحد دواليبها مخلوع من مكانه، الأمر الذي أرجعه كثيرون إلى احتجاز الحريري في مكان لا يليق بمكانته السياسية، فيما علق آخرون على أظافر الحريري الطويلة، التي اعتبرها بعضهم علامة على سوء معاملة رئيس الوزراء المستقيل.

وظهور شخص مجهول الهوية في كادر التصوير يقف خلف الإعلامية بولا، أثناء إدارتها الحوار، ويمسك بورقة في يده، كان من أبرز اللقطات التي أثارت انتباه العديد من السياسيين والإعلاميين، فبينما كان رئيس الوزراء المستقيل، يجيب عن سؤال الإعلامية ركز نظره فجأة على الجهة اليمنى، وعندما توجهت الكاميرا إلى المذيعة ظهر رجل خلفها وفي يده ورقة، يبدو أنه كان يريد إيصالها للحريري أو إخباره بما فيها، وأرفقت بعض وسائل الإعلام صور هذا الشخص مع نظرة الحريري له، قبل أن تخرج بولا إلى فاصل إعلاني، فيما قال بعض المغردين، إن الحريري طلب من الشخص الابتعاد بحركة من يده، فيبدو أنه لم يثر انتباه السياسيين والإعلاميين فقط بل أثار ريبه الحريري أيضًا.

لغة الجسد.. ارتباك وتلعثم

رأى العديد من خبراء لغة الجسد، أن الحريري والإعلامية بولا ومعدي الحوار، فشلوا تمامًا في تبديد مخاوف وتهكنات السياسيين والقادة اللبنانيين حول احتجاز المملكة السعودية لرئيس الوزراء اللبناني، فحوار الحريري أمس، ساده التلعثم والارتباك واللهاث أثناء الكلام، ناهيك عن علامات شحوب الوجه وارتجاف الشفتين وقصر النفس والتعب والإرهاق اللذان ظهرا على وجهه وصوته، إضافة إلى التهرب من الإجابات بشكل مباشر على أسئلة الإعلامية اللبنانية، الأمر الذي يؤكد أنه يقبع تحت ضغوط سياسية جعلته فاقدا للتركيز، مسلوب الإرادة، ويقترب من الانهيار جسديًا ونفسيًا.

ورأى بعض الخبراء أن نبرة صوت الحريري كانت منخفضة طوال اللقاء تقريبًا ومسبوغةً بالحزن، كما أنه تحدث بنبرة يائسة والتزم بأسلوب الهمهمة عند الحديث عن الأحوال اللبنانية، ناهيك عن أن إمساكه طوال الحديث بقلم في يده هو مؤشر على محاولة إخفاء توتره، كما لاحظ خبراء لغة الجسد فيما يتعلق بتواصل العيون، أن الحريري استمر في تحريك عينيه دون تثبيتها في مكان معظم الوقت، وفي أوقات أخرى، كان يضع عينيه للأسفل، الأمر الذي يشير إلى أنه الشخص يكذب أو أُجبر على الكذب، كما أنه يتحدث بحذر أو بشيء من الريبة.

كرر الحريري أثناء المقابلة الصحفية عبارة «مصلحة لبنان» أكثر من مرة، ما يشير إلى محاولة حصر تحركاته السياسية في مصلحة بلده وإعطاء انطباع بكونه ليس مقيدا أو مجبرا على شيء، كما لفت إلى تمسكه بمنصبه كرئيس وزراء من خلال تأكيده على التمسك بالتسوية، لكن هذا التمسك مرهون بتحرك دولي كبير للضغط على المملكة، كما أن الحريري خفف من وطأة لهجته حيال حزب الله وإيران التي انتهجها خلال خطاب الاستقالة.

الحريري.. لسان حال السعودية

رأى العديد من المراقبين والخبراء السياسيين أن رئيس الوزراء اللبناني لم يخرج ليبرر موقفه السياسي على خلفية استقالته من الرياض، لأنه على الرغم من تخصيص أكثر من سبع دقائق في محاولة لتبرير الخطوة، إلا أنه لم يقدم في النهاية سببا واضحا ومُقنعا لتصرفه الذي أهان به كرامة دولته وسيادتها، كما أكد مراقبون أن الحريري لم يتحدث ليؤكد للشعب اللبناني وقادته أنه ليس محتجزا وأنه حر الإقامة، لأن حديثه مع الإعلامية اللبنانية وارتباكه وتلعثمه في العديد من الإجابات فضح مدى الضغوط التي يتعرض لها، وتؤكد أنه بالفعل يقبع تحت الإقامة الجبرية وبأوامر سعودية، بل خرج في الحديث أيضًا بإجبار من المملكة، لكن أجمع العديد من المراقبين أن رئيس الوزراء اللبناني خرج في حديث من المملكة ليكون لسان حالها.

السعودية سعت خلال حديث الحريري إلى توجيه رسائل إلى قيادة لبنان، حيث قذفت الكرة في ملعب الحكومة والرئاسة اللبنانية من خلال التلويح بعقوبات عربية لم يذكر الحريري أنها سعودية صراحة، لكنها في الحقيقة كذلك دون شك، حيث كرر رئيس الوزراء المستقيل أثناء حديثه أن تدخل حزب الله في الأزمات الإقليمية يجعل لبنان عرضه لعقوبات عربية ودولية، ورغم أنه لم يذكر ماهية العقوبات بشكل مباشر، إلا أنها قد تتمثل في تشديد الحصار على لبنان على غرار ما فعلته دول الخليج مع قطر، أو التلويح لأمريكا بوقف مساعداتها إلى لبنان في محاولة لـ«تجويع الشعب اللبناني» وفقًا لوصف الإعلامية اللبنانية، أو إعطاء ضوء أخضر لإسرائيل من أجل إجراء مناوشات عسكرية مع لبنان لن تصل إلى حد الحرب عليها.

رسالة أخرى أكثر أهمية حاولت المملكة إيصالها إلى حزب الله على لسان الحريري، مفادها أن المملكة كانت ملتزمة الصمت بشأن تحركات حزب الله في المنطقة والتوغل والنفوذ الإيراني عندما كان هناك صراع عربي إسرائيلي، لكن في الوقت الذي تطبع فيه الدول العربية مع إسرائيل علنًا وفي جميع المجالات، فقد حان وقت تخلي جميع حركات المقاومة بما فيها حزب الله وحماس عن مهاجمه إسرائيل، والتحول إلى الصداقة والتطبيع على غرار كبرى الدول العربية.