محمد إقبال .. شاعر الإسلام

استحق وعن جدارة لقب شاعر الإسلام، فكان دائمًا ما يتأثر به في شعره وفلسفته، حيث كان يقول «إنني هائم في شعري وراء الشعلة التي ملأت العالم أمس نورًا وحرارة، وقد قضّيت حياتي في البحث عن تلك الأمجاد التي مضت، وأولئك الأبطال الذين رحلوا، وغابوا في غياهب الماضي». إنه الشاعر محمد إقبال الذي تحل علينا اليوم ذكرى ميلاده الذي أتى في 9 نوفمبر 1877، فهو واحد من الشعراء الذين انفردوا بخصائص عن غيرهم، فكثيرًا ما كان يجري على لسانه الأثر النبوي الشريف، وربما صاغه شعرًا كإحدى أشهر مقولاته «اطلبوا الحوائج بعزة النفس، فإن الأمور تجري بالمقادير».

إقبال وخدمة الإسلام

تميز شعر محمد إقبال بأنه كان دائمًا ما يخدم الإسلام بكافة الطرق والأشكال، فكان بمثابة الشاعر الثائر بالقرآن، فقد بدأ يستخدمه في مواجهة ضعف المسلمين وهجرهم لدينهم, ويؤكد لهم أن الانتصار لن يتحقَّق إلا بالإيمان، والأمثلة على ذلك كثيرة.

فعندما زار قرطبة، وقف عند مسجدها الشهير، وقد رآه قد تحول إلى حانات للخمر والعاهرات، فبكى وأنشد قائلاً:

 

أرى التفكير أدركه خمولي ..  ولَم تبقَ العزائم في اشتعالِ

وأصبح وعظكم من غير نور .. ولا سحر يطل من المقالِ

وعند الناس فلسفةٌ وفكر .. ولكن أين تلقين الغزالي

وجلجلة الأذان بكل حي .. ولكن أين صوت من بلالِ

منائركم علت في كل ساح .. ومسجدكم من العبادِ خالي

 

وعندما أسقط مصطفى كمال أتاتورك الخلافة، رد عليه بقصيدته “خطاب إلى مصطفى كمال باشا”، عبر فيها عن حزنه على تغريب المجتمع التركي، منتقدًا عصبة الأمم أيضًا قائلاً:

صور الغاصب عدلاً ظلمه .. ما هو التفسير للعدل الجديد

زاد فـي التحرير معنى أنه .. يحكم القيد لتحرير العبيد

قال للطير: إذا رمت الأمان .. فاتخذْ في منزل الصياد وكرا

ليس في الأجواء للطير مكان *** ولا تأْمن في الصحراء نسرا

 

وعند قيام الثورة البلشفية كتب رسالة إلى لينين، قال له فيها “اتقِّ الله يا لينين، فإنك قصمت ظهر الرأسمالية فأحسنت، فألحق بقصمك للرأسمالية لا إله إلا الله”.

إقبال والفلسفة

كان لإقبال حظ وافر من العلوم العقلية، وعلى رأسها الفلسفة، فقد آمن بأن منهج أبي حامد الغزالي القائم على دعائم الشك الفلسفي ليس قويمًا، وأن ابن رشد – الخصم الرئيسي للغزالي- اصطنع مذهب خلود العقل الفعّال، فنتج عن ذلك نمو فلسفة تغشي بصر الإنسان عند نظره إلى نفسه وإلى ربه وإلى دنياه، كما أنه انتقد المعتزلة في جموحهم العقلي ونزعتهم التجريدية، الأمر الذي نتج عنه أن حجبت عنهم حيوية الدين والإيمان الفطري.

وعندما نظر إلى مناهج الفلسفة الغربية، قال لمريديها «إن حضارتكم سوف تقتل نفسها بخنجرها.. إن العُشّ لا يثبت على غصن ضعيف مضطرب»، لأنه عندما أمعن النظر فيها، وجد أنها تعتمد بشكل كبير على  إيمان العقل وكفر القلب، وتحديدًا الفلسفة اليونانية منها، التي رأى أنها رغم رغم توسيعها آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام، إلا أنها حجبت بصائرهم عن فهم القرآن الذي تعارض تعاليمه الفلسفة.

إقبال وباكستان

كان إنشاء دولة للمسلمين في شبه القارة الهندية حلمًا سعى إلى تحقيقه محمد إقبال مع محمد علي جناح مؤسس الدولة وأول رئيس لها، فبالرغم من أنه توفي قبل 9 سنوات من قيام دولة باكستان، إلا أن جناح حقق له حلمه، واعترافًا من الدولة بفضله أطلق اسمه على الكثير من المنشآت فيها، فالمطار في لاهور اسمه محمد إقبال، وهناك متحف إقبال الوطني ومكتبة إقبال والجامعة نفسها تسمى بـ «العلامة إقبال».

إقبال وحبه للعرب

كان إقبال مغرمًا بالبلاد العربية، وعلى رأسها الحجاز مهد الإسلام والعرب، وله قصيدة بعنوان «ناقتي في الحجاز»، وعندما زار فلسطين عام 1931 في افتتاح المؤتمر الإسلامي العام، قال عنها: «على كل مسلم عندما يولد ويسمع كلمة لا إله إلا الله أن يقطع على نفسه العهد على إنقاذ الأقصى».

العرب أيضًا بادلوه نفس الشعور، فترجموا إبداعاته للعربية، ومن الأعلام الذين قاموا بهذه المهمة عبد الوهاب عزام، ومحمد حسن الأعظمي، والشيخ الصاوي، كما أن سيدة الغناء العربي أم كلثوم غنت له قصيدة «حديث الروح» التي كتبها إقبال بالأردية، ثم ترجمها الأعظمي نثرًا، ليقوم الشيخ الصاوي بإعادة كتابتها كقصيدة كانت في 260 بيتًا، غنت منها أم كلثوم 32 بيتًا فقط.