متى جاءت الدولة الرخوة إلى مصر؟

من الأشياء التى قرأتها ولم أنسها منذ أن قرأتها، مصطلح “الدولة الرخوة” فى كتاب “مصر والمصريون فى عهد مبارك” للدكتور جلال أمين، والذى نقله عن عالم الاجتماع السويدى جونار ميردال، الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد لعام ١٩٧٤، والذى أفاض فى شرحه فى كتاب أصدره فى عام 1970 بعنوان “تحدى الفقر فى العالم”.

كان جونار ميردال يرى أن كثيرا من بلاد العالم الثالث يعانى من خضوعه لما أسماه بالدولة الرخوة، وأن هذه الدولة الرخوة سببا أساسيا من أسباب استمرار الفقر والتخلف فى العالم، وهو يعنى بالدولة الرخوة: دولة تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس لما فيها من ثغرات، ولكن لأنه لا أحد يحترم القانون، الكبار لا يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوى لغض البصر عنه.

الرخص والتصريحات معروضة للبيع، سواء كانت لبناء غير قانونى، أو لاستيراد سلعة ممنوعة، أو لاسترداد ضريبة واجبة الدفع، أو لفرض حماية لسلعة مسموح باستيرادها، إلخ، والقيود لا تفرض إلا لكى يثرى البعض من كسرها والخروج عليها، والضرائب نادرا ما تحصل أصلا. والمناصب يلهث الناس للحصول عليها لما تجلبه من مغانم مادية، والإمضاءات تباع أو توهب للمحاسيب والأقارب والأنصار، والعملات الأجنبية وبدلات السفر توزع بلا حساب على أصحاب السلطة والمقربين منهم. وقروض البنوك تمنح بأسعار فائدة رمزية لمن لا يستحقها، بينما يحرم منها من تقررت هذه الفوائد الرمزية أصلا لصالحهم، إلخ.

وقد فسر جونار ميردال ظاهرة الدولة الرخوة تفسيرا طبقيا محضا، فهى ترجع إلى ما تتمتع به الطبقة العليا من قوة تستطيع بها فرض إرادتها على سائر فئات المجتمع، وهى وإن كانت تصدر قوانين وتشريعات تبدو وكأنها ديمقراطية وعادلة فى ظاهرها، إلا أن لهذه الطبقة من القوة ما يجعلها مطلقة التصرف فى تطبيق ما فى صالحها وتجاهل ما يضر بها، وأفراد هذه الطبقة لا يشعرون بالولاء لوطنهم بقدر ما يدينون بالولاء لطبقتهم وعائلاتهم ومحاسيبهم.

منذ أن قرأت عن مصطلح “الدولة الرخوة”، وأنا أجده لا يصدق كما يصدق بقوة على مصر اليوم، انظر حولك وشاهد كيف تتخلى الحكومة بخطوات متسارعة عن القيام بوظائفها التقليدية، من المحافظة على الأمن إلى جمع القمامة إلى توصيل المياه النقية إلى صرف المجارى إلى بناء المدارس إلى رصف الطرق إلى المحافظة على الآثار.

انظر كيف هيأت الحكومة المناخ لكى يصبح لكل شىء سعر، فأنت تستطيع أن تبنى بيتك أينما شئت وبأى ارتفاع، وأن تقتطع من الشارع ما تريد، وأن تحتل الرصيف بسيارتك، وأن تمارس البلطجة على المارة.

وانظر كيف يعم الفساد وتنتشر الرشاوى فى كل المؤسسات والمصالح الحكومية، من أكبر مسئول إلى أصغر موظف. وانظر كيف أصبح كل شىء خاضعا للمفاوضة والمساومة، وكل شىء متوقفا فى النهاية على الفهلوة والشطارة.

السؤال الذى يطرح نفسه هو متى جاءت الدولة الرخوة إلى مصر؟ نستطيع أن نقول فى شىء من الاطمئنان إن الدولة الرخوة قد ظهرت فى مصر وبدأ الفساد ينتشر فى ربوعها منذ نحو أربعين عاما، أى فى عهد السادات، وتحديدا مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى فى عام 1974، فقد كانت مصر فى عهد عبد الناصر أبعد ما تكون عن الدولة الرخوة. نعم كانت لدى الدولة المصرية فى ذلك الوقت مشاكل عديدة، لكن ليست هذه من بينها. وبالتأكيد كان هناك بعض الفساد، وكانت هناك بعض الرشاوى وبعض حالات استغلال النفوذ، ولكن هذا كله لم يكن يشكل ظاهرة فى مصر فى الستينات أو فيما قبل ذلك.

لم تكن سياسة الانفتاح الاقتصادى التى دشنها السادات فى السبعينات سياسة خاطئة تماما، فلم تكن هناك مشكلة فى فتح الباب لتسهيل استيراد السلع الوسيطة، ولا فى إصدار قانون جديد لتشجيع الاستثمار الأجنبى الخاص بعد الانخفاض الشديد فى المعونات الخارجية، بل ولا حتى فى التنازل عن الملكية العامة فى بعض المشروعات التى جرى تأميمها لأسباب سياسية أكثر منه لدواع اقتصادية. لكن كل هذا كان يتطلب لنجاحه إجراءات أخرى لم تتخذها الدولة، مثل توجيه تحويلات المصريين العاملين فى الخارج فى اتجاهات منتجة وليس فى مجرد إرضاء النهم الاستهلاكى، أو التمييز بين السماح بمزيد من الاستيراد الذى يخدم العملية الإنتاجية وبين إغراق السوق بالسلع الاستهلاكية والاستفزازية، أو تخفيض عبء الدعم الذى كانت تتحمله الحكومة، شيئا فشيئا، حتى تعود الأسعار تدريجيا للتعبير عن التكلفة الحقيقية للسلع، ولكن بشرط اتخاذ إجراءات كافية لتحقيق مزيد من العدالة فى توزيع الدخل. لم تتخذ دولة السادات هذه الإجراءات فأصبحت دولته، ليست مجرد دولة أكثر انفتاحا على العالم، بل دولة رخوة بكل معنى الكلمة.

كان الانفتاح استهلاكيا وليس انفتاحا إنتاجيا، الهدف منه تشجيع الاستهلاك لا تشجيع الإنتاج. وقد اسماه البعض “الانفتاح الاستهلاكى”، واسماه الكاتب أحمد بهاء الدين “انفتاح السداح مداح”، أى انفتاحا بلا ضابط ولا قانون.

وبسبب هذا الانفتاح السداح مداح تحولت مصر إلى دولة رخوة يعمها الفساد. مثلا فى مجال البناء، بدأت فى السبعينات ظاهرة سقوط العمارات حديثة البناء على رؤوس ساكنيها، بسبب استخدم المقاول فى البناء لمواد مغشوشة وغير صالحة، أو بسبب دفع مالك العمارة رشوة مناسبة لبناء عدة أدوار إضافية. وفى مجال التعليم، بدأت مشكلة الدروس الخصوصية فى التفشى وظهر عجز الدولة عن علاجها. وفى مجال الصحة، تدهور حال المستشفيات الحكومية، وبدأ أصحاب المصالح والمستثمرون فى إنشاء المستشفيات الخاصة التى لا يجرؤ على دخولها إلا الأثرياء، وأصبح الأطباء يفضلون العمل فى تلك المستشفيات وترك العمل فى المستشفيات الحكومية بسبب تدنى الأجور.

ثم زادت رخاوة الدولة فى عهد مبارك وكبر حجم الفساد، وعلى الأخص فى العشرين عاما الأخيرة من حكمه. وتقاعست الدولة عن أداء وظائفها التقليدية فى القيام بالبنية الأساسية من طرق ومدارس ومستشفيات، إلخ. بينما قامت بمشروعات تجارية بحتة كبناء المنتجعات لصفوة المجتمع فى الساحل الشمالى. وسحبت الدولة يدها من توفير الوظائف للخريجين، دون أن تضمن تحقيق الاستثمارات الكافية لتوظيف العاطلين ورفع مستوى الدخل، وتهاونت فى الوقت نفسه فى تحصيل الضرائب، وكل هذا ليس من سمات دولة تؤمن بتطبيق مبدأ حرية السوق، بل هو من سمات دولة رخوة ضعيفة تنفذ كل ما يأتيها من الخارج من توجيهات، وتخضع لرغبات طبقة من الأثرياء فى الداخل، لا حد لطموحاتها المادية.

ورخاوة الدولة فى عهد مبارك وضعفها شجعت على انتشار الفساد، وانتشار الفساد كان يزيدها رخاوة وضعف، فانتشر الفساد من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية إلى السلطة القضائية حتى استشرى وترسخ فى جميع مؤسسات الدولة، وأصبح الفساد فى مصر اليوم ليس مجرد ظاهرة عابرة أو مشكلة يمكن علاجها بسلسلة من الإجراءات الحازمة، بل صار “نمط حياة”.