مئات الآلاف لإحياء ذكرى عرفات.. لماذا في غزة؟

مشهد مهيب، حشود من كل حدب وصوب، قلوب فرحة بمشهد لم تره منذ سنين، هكذا أحيا الفتحاويون ذكرى زعيم الشعب الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أبو عمار في ساحة السرايا وسط مدينة غزة، في تصويت واستفتاء شعبي مُهيب، على أن غزة لا زالت على العهد، وأن حركة فتح لا زالت الجماهير تسري في عروقها، وأن ياسر عرفات رمز القضية، باقٍ بما حمله، من ثورة وحب وانتماء، للقدس، وللقضية، والشعب الفلسطيني.

سنوات من المنع وسنوات من حصار العمل التنظيمي لفتح في غزة من قِبل حركة حماس، مما أعطى منظر إحياء الذكرى مشهداً وحدوياً جميلاً، بالتزامن مع إجراءات المصالحة وتمكين الحكومة الجارية في القطاع.

ولكن في غمرة كل ذلك، تسائلت، لماذا في غزة ؟

هذه المدينة التي لوهلة تجعلك تشعر أنها موجودة في هذا العالم كمدينة إنتاج ثوري، على غرار مدن الإنتاج الإعلامي في الدول، لا تنفك أن تكون في طليعة كل شئ، له علاقة بالوطن، وبالعمل الوطني والثوري.

لا شك بأن فعالية إحياء الذكرى كان لها دلالات ورسائل سياسية داخلية عديدة، بين حركتي فتح وحماس، وأيضاً بين حركة فتح بممثلها الرئيس محمود عباس، وتيار النائب محمد دحلان المفصول من الحركة، بالرغم من أنه لم يمض أيام على مجزرة تقاعد ارتكبت بحق آلاف الموظفين الفتحاويين التابعين للسلطة الفلسطينية في غزة، وتعويل الكثيرين على أن الفعالية لن تكون بهذا الحجم الشعبي الضخم، ولكن أيضاً لا مجال لأن نقول بأن هذا فحسب هو من أخرج كل هؤلاء النساء والرجال والشيوخ والأطفال من بيوتهم من ساعات الصباح، كي يتواجدوا في ساحة السرايا، فهناك سبب رئيسي آخر، هو أن هذه المدينة، هي مصنع للثوار والأحرار والوطنيين، وللعمل الوطني والشعبي.

 

ثارت غزة في كل مراحلها التاريخية، ثارت في الغنى، وثارت في الفقر، وحافظت على وجدانها الوطني في زمن غاب به كل شيء، فكانت مهد الثوار، ومهد المقاومة، ومهد التضحيات على كافة الأصعدة.

عام 87 كانت غزة تعيش رخاءً اقتصادياً مقارنة بالوضع الذي تمرّ به الآن، حيث مارس الاحتلال سياسة اقتصادية مُريحة لسكان الضفة والقطاع، بعد احتلاله لهما مع سيناء والجولان بعد حرب 67، وهذا كان من منظور إحتلاليّ وسيلة وسياسة لإلهاء الناس عن الوطن والثوابت، ومبادئ التحرر والثورة في وجه المحتل الغاصب، ففتح لهم العمل في الداخل المحتل، بأجرة كانت تفوق أضعاف ما هي في غزة، ووفّر لهم السفر والكهرباء والخدمات المعيشية المختلفة، إلا أن غزة انفجرت في وجهه، في أول انتفاضة شعبية ضد الإحتلال الإسرائيلي، سُميت آنذاك بانتفاضة الحجارة، والتي كانت شرارتها من مخيم جباليا الذي أفتخر أنني تربّيت فيه.

انتفضت غزة، ولم يُثنها الشبع، والعزّ، وقدمت الشهداء والجرحى والأسرى، وسطّرت ملحمة شعبية سُطِرت بحروف من نور، في صفحات العز والفخار للشعب الفلسطيني.

وكذا الأمر بعد مجيئ السلطة عام 9419، وصولاً لانتفاضة الأقصى عام 2000، لم تتوانى غزة عن أن تكون بقعة التلاحم الملتهب، فانطلقت في وجه المستوطنات التي تتغلغل في وسطها وجنوبها وشمالها، بعمليات وتفجيرات وصواريخ بشكل يوميّ، واشتباكات على المحاسيم والنقاط العسكرية لجيش الاحتلال، حتى اندحر الاحتلال من غزة عام 2005، بعد أن كان شارون يقول: نيتساريم “مستوطنة في غزة”، كتل أبيب”، حتى تولّت حماس الحكم في غزة، واتخذ الاحتلال بحقها سياسة مخالفة تماماً لما كان مُتبع فيما قبل، وهي سياسة التجويع.

فرضوا حصاراً خانقاً، أجهضوا كلّ معاني الحياة، دمّروا المطار، أغلقوا المعابر، أغلقوا البحر، منعوا العمل، منعوا كل أوجه الحياة، حتى اشتد العيش في غزة، ووصلت معدلات البطالة والفقر والمرض إلى أرقام مهولة، مما دفع الأمم المتحدة أن تقول بأن غزة لن تكون صالحة للحياة عام 2020 !

أعتقد الاحتلال بأن لا طريق لغلبة غزة إلا بالتركيع، بتجويع الناس، بإلهائهم عن قضيتهم الوطنية، بأن يجعلوا الشاب يفكّر في وظيفة بدلاً من القدس، وساعات كهرباء أكثر بدلاً من حق العودة، ولكن هيهات.

لم ولن يثنوا غزة ولا أهلها، وما مشهد مئات الآلاف يحيون ذكرى زعيم وطني كياسر عرفات في ذروة البؤس والفقر وقطع الكهرباء إلا دليل على ذلك.

لا زالت غزة في طليعة كل شيئ، حتى في إحياء ذكرى لزعيمها الراحل أبو عمار، وستظل غزة ظهراً وسداً منيعاً، للمشروع الوطني الفلسطيني، وللنضال الفلسطيني المعاصر.

كاتب فلسطيني