مؤسس مهرجان ونَس لـ«البديل»: اسمع شعبي واستمتع بفن مختلف

“والنبي يا غزال حوش طرف الشال يُطرف عيني.. ده حرير في حرير م النسمة يطير عيني يا عيني”.. بتلك الكلمات تفتتح فرقة “الطنبورة” البورسعيدية، فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان “ونس” للفنون الشعبية وملتقى الشعوب، في الفترة من 9 إلى 11 نوفمبر بالجريك كامبس بوسط القاهرة، وهو المهرجان الذي ينظمه مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية.

ولأن المهرجان متسق مع هدفه ورسالته، فإنك لكي تصل للريس زكريا إبراهيم، مؤسس المهرجان ومركز المصطبة، عليك أن تمشي في شوارع القاهرة الشعبية بمنطقة السيدة زينب، وتمر وسط ناسها من أصحاب الوجوه الملهمة.

عن المهرجان وفكرته وكواليس هذا العام، يحكى لـ”البديل” الريس زكريا، الراقص ومؤسس فرقة الطنبورة البورسعيدية قبل 29 عاما.

وإلى نص الحوار..

 كيف ولدت فكرة مهرجان ونس للموسيقى الشعبية؟

المهرجان تظاهرة فنية وفاعلية تمثل جزءا من مشروع العمر وهو إحياء الموسيقى الشعبية المصرية ونشرها في العالم أجمع، تلك الموسيقى التي تنتجها وتستهلكها فئات الشعب بصفة عامة وخاصة طبقة الأيدي العاملة؛ الحرفيين، اللحامين، السواقين، مبيضين محارة، مكوجية، تلك المهن الشعبية هي المادة الأساسية للفن الشعبي، وفنانوه أيضا منهم غير المتعلمين والبعض منهم من حملة المؤهلات المتوسطة، ولذلك تكون هناك أحيانا نظرة استعلائية داخل المجتمع تهمش الفن الشعبي الحقيقي التراثي، الذي أنتجته أجيال متعاقبة منذ مئات السنين، ومن ثم ولدت فكرة المهرجان لتقديم هذه الفرق التي تحارب من أجل البقاء، في مقابل التغريب وثقافة “التأجنب” وتعإلي الشباب عليها وتفضيلهم للموسيقى الغربية، ومن ثم يشكل المهرجان أداة جذب يمزج بين اللون الغنائي الذي يفضله الشباب وفرق التراثي الشعبي.

هل سيتم تنفيذ فكرة المزج هذه بعزف مشترك في المهرجان؟

قبل بدء المهرجان ستغني، للمرة الثانية على التوالي، فرقة «UNTERBIBERGER» الألمانية، مع فرقة “الطنبورة” واحدة من أغاني التراث البورسعيدي بعنوان “شفت القمر”، يوم الأربعاء الموافق 8 نوفمبر، بمقهى “النجمة” على شاطئ بور فؤاد، بموسيقاها غير التقليدية، من خلال العزف على آلات النفخ الشعبية، وتقدم أيضًا موسيقى الجاز ذات التأثيرات الإقليمية المتعددة، متخطية بذلك الحدود الموسيقية، وهذا الحفل استكمال للتعاون بين الفرقتين، بعد أن جمعتهما ورشة عمل بمعهد جوته، في أكتوبر 2016، امتزجت خلالها السمسمية مع آلات النفخ، كما أحيت الفرقتان معًا حفل افتتاح الفرع الجديد لمعهد جوته بالدقي العام الماضي، لتعود الفرقة هذا العام وتشارك في مهرجان “ونس”، بِرفقة الموسيقي ماتياس شريفل، الذي حصل على جائزة الموسيقى العالمية لعام ٢٠١٦.

ما الجديد الذي تقدمه الدورة الثالثة من مهرجان ونس؟

حرصنا على اختصار عدد الفرق التابعة لمركز المصطبة، لإعطاء مساحة أكبر لفرق مصرية أخرى من خارج المركز، تقدم تجارب فنية ناجحة، وتستحق تشجيعها وتقديمها في مهرجان دولي كـ”ونس” وعلى رأسها النموذج الذي يقدمه الفنان مصطفى رزق، الذي يقدم شكلا متطورا من أشكال الموسيقى المصرية المعاصرة، وفرقة “هاويدور”، و”شباب البحر” من رأس غارب، بجانب الأربعة الكبار لمركز المصطبة من الطنبورة، والجركن البدوية التي تستخدم مخلفات الحروب من صندوق الذخيرة وجركن البنزين للعزف والغناء، وفرقة “الرانجو” و”نوبانور” التي تقدم مزيجا من الموسيقى والرقص والأغاني التراثية والأغاني التي تعكس معاناة أهل النوبة من فقدان وطنهم الأصلي بعد عمليات التهجير الواسعة خلال فترة الستينات، بالإضافة إلى فرقة Unterbiberger»» الألمانية، وفرقة «Kapriol» من هولندا.

شاركت دول عربية والهند في الدورة الثانية.. لماذا غابت هذا العام؟

ضعف الإمكانيات وغياب الدعم المادي من وزارة الثقافة للمهرجان أبرز العراقيل التي تمنع استضافة عدد كبير من الفرق الموسيقية، فهذه الفرق تحتاج إلى نفقات سفر وإقامة خلال أيام المهرجان، وهذا العام تكفل معهد جوته بنفقات الفرقة الألمانية المشاركة.

·ما الذي تأمل أن تحققه الدورة الثالثة لمهرجان ونس؟

أن ينجح في جذب أكبر عدد من الحضور ليستمعوا لموسيقى مختلفة عن تلك التي اعتادوا سماعها، وأن يكون فرصة جيدة لتحقيق الانتشار للفرق الشعبية بما يسهم في مشاركتهم في حفلات أخرى سواء داخل أو خارج مصر.

·وما رسالة المهرجان هذا العام؟

اسمع شعبي واستمتع بفن مختلف.

·تزخر مصر بتراث كبير من الفن الشعبي، كيف نجحت في التنقيب عنه وتقديمه بصورة فنية؟

يتميز الفن الشعبي بأنه تراث شفوي، يخضع للتطوير والإضافة عبر الأجيال، وهو منتشر في كل مكان، الإسماعيلية، سيناء، أسوان، وكلها أماكن تمثل حواضن روحية تضم الفنانين والمستمعين أيضا، فالفن الشعبي موجود في البيئات الشعبية بالقرى والشوارع والحارات، بعيدا عن العاصمة وقاعات الأوبرا، ولا تزال هذه الفنون تلبي الاحتياجات الروحية للجماعة الشعبية في البيئات المختلفة.

وكانت أول خطوة بصفتي من المثقفين الذين يحملون مسؤولية اجتماعية وفنية تجاه هذا البلد، الحفاظ على هذا التراث الكبير، وأسست فرقة الطنبورة البورسعيدية عام 1989 لتوثق فن المقاومة بالغناء، ثم فرقتي الوزيري بالإسماعيلية، والحنة بالسويس عام 1994، وفرقة الرانجو التي تعبر عن موسيقى المصريين من أصول سودانية 1996، ثم قررت إنشاء مركز المصطبة عام 2000 ليكون المظلة لكل هذه الفرق، وتدعمها في إنتاج أعمالها الموسيقية ونشر فنها للجمهور داخل وخارج مصر، ثم أسس المركز عدة فرق لاحقا، مثل الجركن البدوي، نوبانور، مزامير النيل، الكف الأسواني، وغيرها.

ـ هل ترى أن إحياء التراث الشعبي مسؤولية الدولة أم الأفراد؟

هناك بيروقراطية شديدة وإهمال تام من قبل وزارة الثقافة تجاه الفن الشعبي، والفنان الشعبي في ضوء هذه الظروف الصعبة أمامه 3 خيارات، إما الجلوس في البيت، أو النزول للشارع وجمع أي فلوس بدون قيمه فنية، أو أن يصبح عضوا في فرقة حكومية ويطيع الأوامر والروتين الذي يضعه في ذيل الهرم الوظيفي بدون تقدير، وتقديم الفن الشعبي في صورة متحفية، واختار الفنانون الذين تجمعهم مع الفن علاقة روحية خيار الجلوس في البيت، ومن ثم كان دور مركز المصطبة التنقيب عن هؤلاء الحالمين، فتمكن من خلق الطريق الثالث لهم فلا هو تجاري ولا حكومي، بما يحافظ على تلقائية الفنان وروحه، فتحول الفنان في “المصطبة” إلى نجم محترم، يسافر لمهرجانات عالمية للموسيقى وأنتجت له ألبومات توزع بالخارج.

·هل تقصد بالمتحفية تلك العروض النمطية التي تقدم في افتتاح مؤتمرات مثلا؟

مؤكد، لأن ما يقدم عبر وزارة الثقافة هو تقديم المادة التراثية بشكل جاذب ولكن بدون إبداع، فالفن الشعبي ليس مجرد نقل، لذا نسعى من خلال مسرح الضمة التابع لمركز المصطبة الذي تأسس عام 2010، لإحياء الموسيقات الشعبية في إطارها الأصلي، من خلال نافذة لتقديم الفنون التراثية لجمهور القاهرة أسبوعيا بحفلة لفرقة مختلفة، وأيضا تقديم عروض للطنبورة مجانا لأهل بورسعيد الأربعاء من كل أسبوع، وهنا نغير فكرة الفرقة التي تستهدف جمع أموال من الجمهور إلى إمتاعهم بفنون شعبية من بيئتهم، فقضيتي فكرية، الحفاظ على الهوية المصرية والسباحة عكس التيار، ومصمم على تقديم الآلات الشعبية البسيطة المليئة بالجمال والحيوية.

ـ وماذا عن المحاولات التي قدمها زكريا الحجاوي؟

لا أحد ينكر أنه كانت هناك رؤية وتوجه للدولة في الستينيات لإحياء التراث والروح الوطنية في ظل المد القومي، وعندما تولى ثروت عكاشة الوزارة دعم الحجاوي في مشروعه لجمع التراث الشعبي، في ضوء رؤية عامة للدولة بإحياء الهوية المصرية القريب من أهداف الثورة، ولكن هذا الاهتمام تراجع مع الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات والتغيير في الهرم الاجتماعي بمصر، وبروز طبقات جديدة رأسمالية أثرت على الفن الشعبي وحولته إلى شيء تجاري، بحيث أصبح الفنان الشعبي يقدم فنا من أجل الأموال على حساب القيمة الفنية المقدمة التي بها طابع مهم، إلى أن اندثر الاهتمام بالفن الشعبي تماما حتى وصلنا للمرحلة الحالية.

·نجح “المصطبة” في إنتاج ألبومات لهذه الفرق الشعبية تحظى بإقبال جماهيري بالخارج عكس مصر.. ما السبب؟

لأن العولمة وتقليد الغرب يسيطران على الفرق الموسيقية الحالية، أيضا الشباب الجديد مغرم بسماع الجيتارات والكيبورد، وينسى الآلات الشعبية الأصلية، ومع ذلك ألتمس له العذر لأنه لم يجد هذا الفن مقدما له باستمرار في شكل يسمح له بالتعرف عليه بشكل إنساني حميمي، فهو عندما يذهب لمكان حكومي سيرى فرقة مدجنة إلى حد كبير، ولا تقدم فنا شعبيا حقيقيا عكس الأجانب، فهم يعتبرون أن هذه الفرق الشعبية تقدم الموسيقى الأصلية للشعوب، ومن ثم يحرصون على الاستماع لها، فهي بمقياسهم الموسيقى العالمية.

·كم عدد الألبومات التي نجح المصطبة في إنتاجها؟

نجحنا في إنتاج 4 ألبومات عالمية بالتعاون مع منتج إنجليزي يمتلك شركة ««ipsللإنتاج الموسيقي وخاصة الشعبي التراثي من آسيا وإفريقيا وكوبا وأمريكا اللاتينية، وكان أول ألبوم للطنبورة “بين الصحراء والماء” 2006، ثم “أصحاب البامبوطي” 2009، وألبوم “وقت القهوة” لفرقة الجركن البدوية 2008، وأخيرا ألبوم الرانجو 2010، وجاري إنتاج ألبوم لفرقة نوبانور، وحققت هذه الألبومات مبيعات مرتفعة بلندن ودول أوربية عديدة ساعدت بقوة في مشاركة الفرق المصرية بمهرجانات عالمية كبرى مثل WOMADفي إنجلترا وWOMEXفي أسبانيا.

·ما تقييمك لحال الأغنية الشعبية الآن؟

صعب للغاية، هناك فرق كثيرة تهتم بالغناء الشعبي ولكن واقعيا ما تقدمه لا يمت بصلة للفن والتراث الشعبي، وهذا بدأ مع فرقة رضا والفرقة القومية للفن الشعبي في الستينيات، لا يمكن تصنيفها كفرق شعبية بل هي استلهام للفنون الشعبية، هي صورة تلغى الأصل التراثي، بدليل أن الراقص على المسرح بهذه الفرق يقدم عددا من التابلوهات يظهر تارة فلاحا أو نوبيا أو صعيديا أو صيادا، وهذا خطأ منهجي ولا أحد يريد الاعتراف به.

·ولكن وزارة الثقافة تعتمد على هذه الفرق في التعبير عن الفن الشعبي؟

استسهال وعدم معرفة، الدولة تستعين بهم فقط للتسويق لهذه التابلوهات ولكن دون احترام الأصل وتقديره وهو الفنان الشعبي الحقيقي، وهذه معركتنا في مركز المصطبة.. البحث عن هذا الفنان الصياد الذي يغني على الساري مثلا بنفسه وليس شبهه أو راقص يمثله، ونبحث عن الصعيدي الأسواني المحترف في غناء الكف الذي يعبر عن بيئتهم الأصلية.

إلى أي مدى نجحت في مشروعك الفني لإحياء التراث الشعبي بين الجمهور؟

لم أحقق أحلامي كاملة، بل جزءا منها، ومازال مركز المصطبة وما يقدمه من فرق شعبية لم تصل إلى كل الناس، رغم ما حققناه من نجاح على مستوى العالم والجوائز العديدة التي حصل عليها المركز من دول عربية، وآخرها تكريمي عام 2011 بجائزة “روسكليتا فيستيفال” بالدنمارك التي تمنح لكل شخص ينشر الموسيقى والفن، فضلا عن محاضراتي بجامعة السربون عن الموسيقى الشعبية بمنطقة قناة السويس، خاصة أنها من أكثر الأماكن التي مسحتها ودرستها جيدا لنشأتي البورسعيدية، وتقديمي العديد من المحاضرات بجامعات بإنجلترا وإسبانيا عن الغناء الشعبي، ومازال حلمي هو نشر الموسيقى الشعبية بين الأجيال المختلفة في كل مصر.

ما الذي لك يمثله مركز المصطبة بعد مشوارك الطويل؟

ركيزة مهمة للقدرة على الاستمرار والحفاظ على تراث غنائي وموسيقي مهدد بالاندثار حال إهماله. المركز يضم أول متحف للآلات الموسيقية الشعبية وتطورها عبر السنين، مكتبة موسيقية تضم هوية الوطن من أسوان إلى الإسكندرية، أرشيف علمي يضم 400 ساعة فيديو، فضلا عن 800 ساعة تسجيلات لكبار الفنانين الشعبين من كل محافظات مصر عن أصول الفن الشعبي وتطوره، ومعظم هذه التسجيلات كانت لفنانين ماتوا الآن، كان أحد الفنانين مواليد 1913، فالمصطبة بمثابة مركز أكاديمي صغير للفن الشعبي، يضم المكتبة الموسيقية والألبومات التي نجح في إنتاجها وبلغت 10 ألبومات محلية لفرق مثل الكف الأسواني، دراويش أبو الغيط، مزامير النيل و4 ألبومات عالمية.

فالمصطبة ليس فقط مكانا مهتم بإحياء تراث الفنون الشعبية بل يهتم بأرشفتها بطريقة علمية من خلال شراكة مع جامعة “ألبرتا” بكندا، بالإضافة إلى تواصل مئات الدارسين من كندا عبر skypeللدراسة والمعرفة عن الموسيقى الشعبية المصرية.

وأين الدارسون من المصريين؟

بكل أسف لا يوجد، هناك حالة من التعالي الأكاديمي من قبل بعض الأساتذة بمجال الفن الشعبي عن اللجوء لمركز المصطبة أو دراسة مثل هذه النوعية التراثية من الفنون، أو الاهتمام بالمكتبة الموسيقية الضخمة التي يمتلكها مركز المصطبة، رغم أن المركز جمع هذه المادة لخدمة كل المهتمين بالفن الشعبي.