قراءة في كتاب: جمالية العيش المشترك

في مقدمة كتاب “جمالية العيش المشترك” يميز المفكر والفيلسوف التونسي فتحي التريكي بين الدعوة إلى “العيش المشترك” دون أن يفقد هويته ونمط وجوده في العالم، وبين ما أفرزته العولمة من نمط عيش يقترب من التوحش، مشيرًا إلى أنه لا توجد حياة عامة أو إمكانية لحياة كونية دون رابط إنساني في أطار نظام المجتمع والحق المشترك. وفي ظل حالة الحروب والصراعات المستمرة بين الدول والشعوب، فالطريق إلى العيش المشترك يحتاج لخوض مواجهات عديدة من بينها “مواجهة الجهل والتخلف العلمي والحضاري الذي يهمين على العالم حاليًا، وفتح فضاء جديدًا لإنقاذ الإنسان من مصائب القرن الجديد المسموم منذ بدايته بالوحشية “.

الكتاب الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، يضم مجموعة متنوعة من الأبحاث والمقالات لفلاسفة من ألمانيا وأيسلندا وتونس وفرنسا، وهم جاك دريدا، وبال سيكلوسون، وهانس يورغ زاندكهلر، وماتياس كوفمان، وجون جوليفي، والعربي الطاهري، ورشيدة التريكي، ولودغير كونهاردت، وقد شاركوا بهذه الأبحاث ضمن كرسي اليونسكو للفلسفة في العالم العربي ومقره كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس.

التعايش والتأنس

يحتوى الكتاب على ثمانية فصول تطرح وجوه وصور متعددة لمفهوم التعايش وتمثلاته الثقافية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، عبر أزمنة متعددة ومقاربات متنوعة، فبينما يقدم فتحي التريكي مقاربة لمفهوم التعايش داخل الثقافة العربية من خلال مفهوم “التأنس” الذي تحدث عنه ابن خلدون بوصفه شكل من أشكال التحضر، مشيرًا إلى أن لفظ “تأنس” يجمع بين اجتماعية الإنسان وحكمته وهو كلمة مشتقة من فعل “أنس” الذي يقصد به “العود أو التآلف مع الآخر” مع اثبات مشاعر الصفاء والفرحة والسعادة والراحة في صحبة الآخر فالأنس هو عكس الوحشة التي تعني الوحدة والعزلة أي البقاء وحيدًا ومنفردًا في مكان مهجور، وهي أيضًا شعور تولده الوحدة كالتعاسة والحزن والكآبة والضيق والخوف.

مفهوم الضيافة

من جانبه يعرض جاك دريدا مفهوم “التعايش” من خلال شرح مستفيض لمفهوم “الضيافة” بصورته المتجذرة في العديد من الثقافات والمجتمعات الإنسانية، معتمدًا على الدراسات والأطروحات التي قدمها كانط والتي ندد فيها بالاستعمار، داعيا للعيش المشترك عبر “السلم المستدام”، ومؤكدًا على مفهوم “الضيافة” كحق إنساني وكوني.

وفي هذا السياق يقول دريدا “في هذا القرن عانينا الكثير من المآسي ومن ترحيل الأشخاص ومن تهجيرهم ومن المغتربين الذين لا يتمتعون حتى بالمواطنة وبما يوفر حماية، ومن البديهي أن يطرأ تغير على مسألة الضيافة الكونية”.

يرى دريدا أن مفهوم الضيافة رغم ما يبدو من بساطته إلا أنه مفهوم معقد لغويًا ويحمل دلالات متعددة ومتناقضة، وكذلك ممارسات الضيافة كفعل مجتمعي تحمل في طياتها أمور معقدة ومتناقضة، وعبر هذه المقاربة بين مفهومي “الضيافة” والعيش المشترك” يوضح دريدا مدى أهمية وصعوبة تحقيق العيش المشترك، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين مفهومي “الآخر والغريب”، فالضيافة لا تتعلق فقط بالآخر عموماً، بل كذلك بالآخر من حيث هو غريب موضحًا أن قوانين الضيافة تقتضي حسن استقبال الزائر المنتظر واللامنتظر، المرغوب فيه، وغير المرغوب فيه، الذي نعرفه والذي لا نعرفه، لكن على الجانب الآخر تقتضي الضيافة أيضًا أن تكون بمدة محددة وأن يحافظ المضيف على السيادة في داره أي أن يحتفظ بقانون الضيافه ويحميه “قانون المنزل، قانون العائلة، قانون المدينة، قانون الأمة واللغة، أي قانون الهوية المحدد لفضاء الضيافة، وهذا ما يؤدي لتناقضها مع ذاتها”.

يرى دريدا أننا لكي نصل للعيش المشترك علينا أن نتعامل مع الضيافة بما تحمله من تناقض بوصفها ممارسة وتجربة علينا أن نخوضها دون قوانين مسبقة ونترك أنفسنا للتعلم والاكتشاف من خلال هذه الممارسة “إن سؤال الضيافة ذاته، هو سؤال الأنا نفسها. وبعبارة أخرى، لا يمكننا أن نتشكل من ذواتنا وفي ذواتنا، كذات، كمواطن، دون أن تكون تجربة الضيافة قد استكملت”.

الفن والتعايش

في بحثها بعنوان “فن وتواصل” تتناول الأستاذة الجامعية ورئيسة الجمعية التونسية للجمالية والإحيائية رشيدة التريكي، قضية التعايش والتواصل من منظور الفن، وتحديدًا الفن المعاصر، منطلقة من الاطروحات والإشكاليات التي طرحها فلاسفة مثل: هوركامير أادرنو وغادمير، وفي هذا السياق تقول: “إن الحداثة بالنسبة هوركامير وأدرنو، ليست سوى تطوير الهيمنة العقلية والتقنية، بحيث يكون العقل مماثل للسلطة، ليصبح بذلك عقلًا شموليًا. إذ تتحول الحداثة إلى عقل أداتي في خدمة رأس المال متخلية عن قدرتها النقدية”.

وتضيف: “الفن كي يفلت من مأسسة الإدارك ومن النفعية بدأ يظهر اختلافه ولكنه ذهب إلى أبعد حد في استقلاليته ملغيًا كل شكل من أشكال التواصل، متخلصًا من المعايير الجمالية التي تكون منتظرة من قبل الوعي الجمعي”. توضح رشيدة أن هذا الإطار يجعل الفن بلا غاية، ورغم وجود تنظيرات لفكرة تجاوز المعنى والتحرر منه، إلا أن الأمر مازال محل جدل ونقاش حول الفن بصورته المعاصرة والحديثة وقدرته على إيجاد صور متنوعة من العيش المشترك.

الكونية والقومية

يناقش الفيلسوف الأيسلندي بال سكيلوسون في بحثه إشكالية الحضارة الكونية والثقافات القومية منطلقًا من أفكار الفيلسوف الفرنسي بول ريكو، متسائلًا “كيف ندخل في الحداثة ونظل مع ذلك متمسكين بالأصول؟ كيف نوقظ ثقافة قديمة من سباتها وندخل في الحضارة الكونية؟”، ومن خلال هذا التساؤل يتتبع سكيلوسون الأطر التي حاولت المجتمعات من خلالها حل هذه الإشكالية.

ويشير إلى أنه على الذات الإنسانية أن تطابق بين دوافعها وانفعالاتها معترفة بوجود نفس الإمكانيات والضعف لدى الكائنات البشرية. كما عليها أيضًا الاعتراف بالانتماء لثقافة وحضارة ما، إذ أن الثقافة تمنحها اللغة والأفكار والأخلاق الخاصة بمجموعة ما، في حين أن الحضارة تشرك الذات الإنسانية في عمليات تقنية واقتصادية وسياسية عادة ما تكون هى نفسها بالنسبة للعديد من الثقافات، بهذا لا يمكن فهم الثقافة القومية والحضارة الكونية على أنهما طرفا نقيض”، ويضيف:” يمكننا القول حسب كانط إن ثقافة ما دون حضارة تكون عمياء في حين تكون حضارة ما دون ثقافة فارغة”.