قانون التأمين الصحي الجديد يصطدم باستدامة التمويل والمساهمات

يترقب الجميع موافقة مجلس النواب على مشروع قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل المطروح عليه وإقراره، ووقتها، يكون التخوف الأكبر، مدى قدرة الحكومة على تنفيذه وضمان استمرارية تمويله، حتى لا يتكرر سيناريو ما حدث عام 2009 في عهد حكومة أحمد نظيف، حين توقف المشروع بصورة مفاجئة لأسباب مالية، خاصة مع غياب الكثير من المقومات الأساسية والمحورية لتنفيذ هذا القانون الغائب لسنوات طويلة ومن بينها تدريب الكوادر البشرية المنفذة له من طاقم الأطباء والتمريض.

تكلفة القانون المالية، حسب الدراسة الاكتوارية التي أعدتها الشركة الإنجليزية، تبلغ 130 مليار جنيه، يكون مظلة للجميع، سوف تغطي الموازنة العامة منها نحو 40 مليون فقط وهي الأسر الأولى بالرعاية ومحدودي الدخل، ما يطرح تساؤلات حول الجهات الحكومية التي تتولى الدعم والتمويل وعدم انقطاعه في أي مرحلة من مراحله الستة خلال 15 عامًا.

فلسفة القانون

النسخة الأخيرة من القانون إلزامية لجميع الشرائح والفئات والقطاعات الرسمية العامة والخاصة والقطاعات غير الرسمية، بما يحقق مبادئ التضامن في المجتمع والدعم المتبادل، وصولًا إلى العدالة الاجتماعية في الصحة، بما يعني عدم السماح ﻷي شريحة أو فئة بالخارج من النظام كضمان لاستدامة تمويله، والحفاظ على موارده ومشاركة الجميع فيه.

بحسب ما جاء في الورقة البحثية التي أعدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول مشروع القانون الحالي، فإن اﻷسرة كوحدة لتنفيذ القانون وأساس التوسع فيه، بما يضمن تغطية الفئات الأَوْلى بالرعاية (المرأة واﻷطفال وكبار السن) مهما كانت تكلفة خدماتهم، بما يعني ضم وتوحيد القوانين السابقة في قانون موحد شامل.

وأوصت المبادرة في نهاية تقريرها بضرورة فصل التمويل عن جهات إدارة وتقديم الخدمات الصحية، على أن تتحول وزارة الصحة والسكان إلى منظم ومراقب ومنفذ للسياسات الصحية العامة والاستراتيجية التي يقرها مجلس أعلى للصحة لضمان حوكمة النظام بصورة رشيدة في محاور المساءلة والمشاركة والشفافية مع إتاحة المجال لمستخدمي الخدمات الصحية من خلال تنظيماتهم المدنية في مراقبة تقديم الخدمة.

ثورة إصلاحية تتطلب إعادة هيكلة المنظومة

وقال الدكتور بسيوني سالم، المدير السابق لهيئة الاعتماد والجودة، إن تطبيق قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل سيحدث ثورة إصلاحية تتعدى كل حدود المألوف والسائد في المجتمع الطبي، لكن لابد قبل التنفيذ من إعادة هيكلة القطاع الصحي وتأهيل المنشآت الصحية للوصول بها إلى درجة الاعتماد الذي يضمن جودة الخدمة الصحية، وكذلك إعداد القوى العاملة المؤهلة لإدارة وتشغيل منظومة التأمين الصحي بشكلها الجديد، فضلًا عن استدامة التمويل المالي وكفايته وترشيد نفقاته .

وأضاف سالم لـ”البديل” أن ثمة تغيرات جوهرية ستنشأ عند تطبيق القانون بعيدًا عن مدخلات النظام الصحي تتعلق بمفهوم الوظيفة التقليدي الذي ترسخ في مصر منذ ثورة يوليو 52 بديمومة العلاقة بين الموظف والوظيفة طبقا للمفهوم الفرنسي للوظيفة لتتحول إلى المفهوم الأمريكي في أن التعاقد هو أساس الوظيفة.

وتابع: بناء على القانون الجديد، ستتعاقد هيئة التأمين الصحي الجديدة مع المنشآت الصحية لتقديم الخدمة التأمينية بعد حصولها على إجازة الاعتماد طبقا لنظام تسعير جديد يراعي التكلفة الحقيقية للخدمات العلاجية التخصصية أو بالرأس حسب عدد الأسر المسجلة لدى طبيب الأسرة.

نصيب الفرد يصل لـ4 آلاف جنيه

كان نصيب الفرد في قانون التأمين الصحي القديم لا يزيد على 112 جنيهًا، لكنه ارتفع في النسخة الأخيرة من القانون المطروح إلى 1300 حد أدنى و4 آلاف جنيه حين يكتمل تطبيق القانون، وبه 3 هيئات (جمع اشتراكات الخدمة، تقديم الخدمة والرقابة والجودة).

وحسب بنود المشروع المطروح، فإن كل من يشترك في القانون الجديد، سيكون ملتزمًا بسداد نسبة مساهمات رمزية أثناء إجراء الأشعة والتحاليل الطبية تصل إلى 20%، بينما العمليات الجراحية سوف تكون بدون أي مساهمات سوى دفع الاشتراك الأساسي.

وحدد القانون دفع نسبة 20٪‏ من سعر الدواء للمرة الواحدة، وسيكون صاحب الأمراض المزمنة مضطرًا إلى سداد هذه النسبة 12مرة سنويًا، وبند المساهمات عند إجراء الأشعة تصل إلى 10٪‏ على الأقل قابلة للزيادة إذا كانت الأشعة مقطعية أو رنين مغناطيسي.

كما حدد القانون الجديد نسبة المساهمات في التحاليل بـ5٪‏ من قيمة التحاليل المطلوبة، وقد تكون بشكل شهري أيضا، ما يهدد صحة نسبة كبيرة من أصحاب المعاشات الذين يعاني غالبيتهم من أمراض مزمنة، ومن ثم يكونون أكثر الفئات عرضة لدفع نسب مرتفعة.

معاناة الأطفال

تواجه الأسر أعباء كبيرة نظير اشتراك الأطفال في قانون التأمين الصحي الشامل خلافًا لدول كثيرة من نفس مجتمعاتنا مثل تركيا وكوبا وفنزويلا وتايلاند وفيتنام، فإن اشتراكات الأطفال هناك مجانيًا، لكن في نصوص القانون المطروح، فإن اشتراك الطفل 75٪‏ من اشتراك الأب، بالإضافة إلى دفع الأب مبلغ 12 جنيهًا سنويًا، رسوم عن كل طفل، والأسر التي يزيد أفرادها عن اثنين سيدفع رب الأسرة حوالي 4٪‏ من الراتب الشهري للولد، وهذه نسبة كبيرة للغاية سوف يهرب من أعبائها أولياء أمور كُثُر، وسوف يؤدي هذا إلى تسرب الأطفال من الدخول في منظومة القانون.

كما كانت نسبة اشتراك المواطنين في القانون القديم من 1% للموظف من الأجر التأميني، و3% من صاحب العمل شهريًا، بينما في القانون الجديد، سيكون بنفس تلك النسبة، لكن على إجمالي الدخل، فضلًا عن دفع رب الأسرة اشتراكات المسؤول عنهم، للزوجة غير العاملة 2.5%، وباقي أفراد العائلة 75.% عن كل شخص، وتدفع خزانة الدولة اشتراك غير القادرين.

وقال محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء: “بعد إقرار قانون التأمين الصحي الجديد سيشهد سوق الدواء انخفاضا كبيرا في أسعار الأدوية، وسط تسابق شركات التوزيع على تقديم أرخص الأسعار”، متابعا أن القانون حدد نسبة المساهمة للمنتفع بـ20٪‏ بالنسبة لأصحاب الأمراض المزمنة وغالبيتهم من أصحاب المعاشات وسوف يكونون مجبرين على سداد تلك النسبة بمعدل 12 مرة سنويًا، رغم أن المساهمات ذاتها تكون رمزية جدًا في دول مثل كوبا وفنزويلا وتركيا وتايلاند وجواتيمالا التي تبدأ من 6% وتصل إلى 15٪‏ للمرضى غير المنتظمين، لكن المنتظمين، لهم نظام مختلف يبدأ من 3% إلى 8% كحد أقصى للتخفيف عليهم.

وأكد فؤاد لـ”البديل” أن أحد أكبر مشاكل القانون الحالي، أن الاشتراك يكون على إجمالي الدخل، مثلا الأطباء أو الصيادلة العاملين في الحكومة ويمتلكون صيدليات أو عيادات خاصة، سوف يجرى عمل تقييم عام لإجمالي الدخل من الجهتين واحتساب نسبة الاشتراكات عن الدخل من الضرائب والتأمينات الاجتماعية، وباقي العاملين غير الفنيين بهذه الوحدات المؤمن عليهم سيتم دفع نسبتهم المقررة علي رب العمل بـ3%.‏

6 مراحل للتنفيذ

وأعلن الدكتور علي حجازي، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، أن القانون الجديد سوف يتم تطبيقه على 6 مراحل خلال 15 عامًا، وتبدأ المرحلة الأولى من عام 2018 إلى 2020 في 5 محافظات (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، جنوب وشمال سيناء)، والمرحلة الثانية من عام 2021 حتى 2023 في 5 محافظات أخرى (الأقصر، مطروح، البحر الأحمر، قنا، أسوان”، أما المرحلة الثالثة فتبدأ من عام 2024 حتى 2026 في 5 محافظات (الإسكندرية، البحيرة، دمياط، سوهاج، كفر الشيخ).

أما المرحلة الرابعة، فتبدأ من عام 2027 إلى 2028 في محافظات (بني سويف، أسيوط، المنيا، الوادي الجديد، الفيوم)، والخامسة من عام 2029 إلى 2030 في محافظات الوجه البحري (الدقهلية، الشرقية، الغربية، المنوفية)، والمرحلة السادسة والأخيرة من عام 2031 إلى 2032 في محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة، الجيزة، القليوبية).

البداية من مراكز الرعاية الصحية الأولية

وقبل أيام، أصدر الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة والسكان، قراراً وزارياً ينص على تعديل مسمى منشآت الرعاية الصحية الأساسية الموجودة في جميع المحافظات، إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية، كخطوة أولى تمهيداً لتطبيق قانون التأمين الصحي الشامل.

وكشف عماد الدين في تصريحات صحفية أن منظومة التأمين الصحي الشامل الجديدة سيكون بها 3 مستويات، أولاً الخدمة الأولية، وهي خدمات الرعاية الصحية الأولية التي تم ذكرها مسبقاً، والخدمة الثنائية هي التي ستقدم بالمستشفى وتقوم على تشخيص للمرض وتلقي العلاج بعد تحويلها من الخدمة الأولية، أما الخدمة الثالثة فهي تقديم الخدمات المتخصصة والمتقدمة مثل عمليات زراعة الأعضاء والقلب المفتوح، والتي تقدم من خلال المستشفيات والمراكز التخصصية.