في محاولة للتصعيد.. دعوة سعودية لتوريط الجامعة العربية

حالة من الحراك الدبلوماسي تشهدها المنطقة العربية، على خلفية الأزمة التي خلقتها السعودية مع لبنان قبل أسبوع، من خلال إجبار رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، على تقديم استقالته من منصبه في الرياض، ولم تكتف المملكة بالتدخل الفج في الشأن اللبناني، بل تتجه كل يوم إلى المزيد من التصعيد مع إيران وحزب الله، كما تحاول حشد التأييدات العربية والغربية من أجل تنفيذ المخطط الصهيوأمريكي، الأمر الذي يضع المنطقة على فوهة بركان.

دعوة سعودية

ويعقد وزراء الخارجية العرب، الأحد المقبل، اجتماعًا طارئًا بناء على طلب السعودية في مقر الجامعة العربية في القاهرة؛ لبحث ما أسمته “انتهاكات إيران في الدول العربية”، وحسب مذكرة وزعتها الأمانة العامة للجامعة العربية على الدول الأعضاء، تقرر عقد مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية الأحد المقبل، بعد موافقة البحرين والإمارات على الطلب السعودي، وبعد التشاور مع جيبوتي التي تترأس الدورة الحالية لمجلس الجامعة.

ووفق المذكرة، فإن “السعودية طلبت عقد الاجتماع لبحث ما تعرضت له الرياض ليلة السبت الموافق الرابع من أكتوبر الماضي، من عمل عدواني من قبل ميليشيات الحوثي التابعة لإيران في اليمن، بإطلاق صاروخ باليستي إيراني الصنع من داخل الأراضي اليمنية، وكذلك ما تعرضت له مملكة البحرين من عمل تخريبي إرهابي بتفجير أنابيب النفط ليلة الجمعة الماضي، فضلًا عن ما تقوم به إيران في المنطقة العربية من أعمال تقوض الأمن والسلم، ليس في المنطقة العربية فحسب بل في العالم بأسره”.

حراك دبلوماسي

لا شك أن الطلب السعودي باجتماع عاجل لزراء خارجية جامعة الدول العربية، تمهيد لتصعيد جديد مع إيران؛ بانتزاع توقيع جميع الدول العربية وليس المملكة وحدها، لكن المثير للانتباه، أن التصعيد يأتي في الوقت الذي يسود فيه حراك دبلوماسي حثيث، خاصة من جانب مصر وفرنسا والمغرب تجاه السعودية لتهدئة الأوضاع والأزمة المشتعلة والمفتعلة مع إيران وحزب الله، فمن المفترض أن يعقد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في الوقت الذي يجري فيه وزير الخارجية، سامح شكري، جولة مكوكية انطلقت أمس الأحد من الأردن، ومن المقرر أن تشمل 5 دول أخرى؛ هي الإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان والسعودية، بهدف الدفع باتجاه الحل السياسي للأزمة الناجمة عن إعلان الحريري استقالته من الرياض، إضافة إلى إيصال رسالة شفهية من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ملوك وزعماء هذه الدول.

التحركات الدبلوماسية للقاهرة، توازيها أخرى من المغرب في الإمارات وقطر؛ حيث وصل الملك محمد السادس، إلى قطر اليوم الاثنين، بعد زيارة إلى الإمارات للاحتفال بافتتاح متحف اللوفر هناك، لكن في الوقت نفسه، جمع العاهل المغربي مع ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد آل نهيان، محادثات رسمية وأخرى خاصة، قالت عنها مصادر متطابقة خليجية ومغربية، إنها محاولة مغربية لإحياء مبادرته للتوسط بين دول الخليج التي أطلقها قبل أربعة أشهر، إبان اندلاع الأزمة بين الدول الأربع “السعودية ومصر والبحرين والإمارات” من جانب، وقطر من جانب آخر، كما أن الزيارة تنطوي على محاولة مغربية لتهدئة الأوضاع في المنطقة، خاصة المشتعلة داخل وخارج السعودية.

كما أولت فرنسا اهتمامًا بالوضع العربي المشتعل؛ حيث أوفد الرئيس الفرنسي مستشاره الرئاسي للشؤون الخارجية، أورليان دو شوفالييه، إلى الرياض قبل أسبوع تقريبًا، لتلحق الزيارة بأخرى مماثلة للرئيس الفرنسي نفسه، إيمانويل ماكرون، إلى المملكة، بحث خلالها مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ملفات إيران واليمن ولبنان والتوترات الأخيرة في المنطقة العربية.

وعلى خط الحراك الدبلوماسي والسياسي في المنطقة، دخلت أيضًا أنقرة، حيث أعلنت الرئاسة التركية عن زيارة يجريها الرئيس رجب طيب أردوغان، في الساعات المقبلة، إلى الكويت وقطر، حيث يلتقي أميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بناء على دعوة من الأخير، وأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني.

محاولة توريط عربية

يبدو أن السعودية استوعبت الدرس جيدًا في اليمن، وقررت عدم تكرار أخطائها، فالمملكة قبل شنها عدوان على اليمن حاولت حشد الإجماع الدولي والإقليمي، لكنها فشلت في ذلك فعليًا، حيث رفضت العديد من الدول العربية المشاركة في العدوان، وعلى رأسها سلطنة عمان والجزائر وباكستان، كما أعلنت بعض الدول دعمها ضمنيًا للمملكة، لكنها لم تشارك فعليًا في العدوان أو شاركت على استحياء، بالإضافة إلى أن بعضها الآخر أظهر في البداية دعمه لخطط المملكة، لكنه سريعًا ما تراجع، موجها انتقادات للسعودية، فلم يتبق للمملكة سوى بعض القوات السودانية وأخرى إماراتية ومغربية، لتقف الرياض وحيدة في فخ العدوان على اليمن، تتلقي الانتقادات الدولية والأممية.

تجربة اليمن الأليمة للمملكة، جعلتها تعيد حساباتها في أي عدوان قادم، الأمر الذي ظهر خلال الأيام القليلة الماضية في محاولاتها افتعال أزمة مع إيران وحزب الله في المنطقة، حيث اتجهت السعودية خلال العام الماضي إلى التصعيد مع إيران وبالتحديد منذ إعدام المملكة لرجل الدين، نمر باقر النمر، في يناير عام 2016، ومن بعدها حادث اقتحام السفارة السعودية في إيران وقنصليتها في مشهد، وظل التصعيد والملاسنات بين الطرفين سيدا للموقف حتى وقت قريب، لكن خلال الأشهر القليلة الماضية، وبالتحديد بعد دحر تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، وانتصار الجيشين السوري والعراقي هناك، وإسقاط المخططات الصهيوأمريكية في المنطقة، وارتفاع نبرة التطبيع مع الاحتلال بين الدول العربية، اتجهت المملكة إلى المزيد من التصعيد مع إيران وحزب الله، الأمر الذي أعطى مؤشرات إلى وجود توافق سعودي أمريكي إسرائيلي وطبخة غير واضحة المعالم بشكل كبير، لكنها تنبئ بحرب في المنطقة قد تأتي على الأخضر واليابس.

وهنا، بدأت المملكة التفكير مليًا في حشد التأييد العربي والدولي تجاه مخططاتها، فلا تريد أن تتورط وحيدة في العدوان القادم، ولا تريد تحمل مسؤولية انهيار منطقة الشرق الأوسط بشكل أحادي، الأمر الذي دفعها إلى الدعوة إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية، رغم تيقنها أن الجامعة باتت منزوعة الهوية وفاقدة لأي شرعية عربية، بل مجرد واجهة فقط للتنديد والشجب والإدانة وفرض قرارات معينة لمصلحة أمريكا وإسرائيل يتم اتخاذها بأوامر سعودية.