في ذكرى رحيل رائد النهضة التعليمية.. إرث علي مبارك يتصدع

لم يكن في مخيلة علي مبارك، رائد النهضة التعليمة الحديثة، الذي تحل علينا اليوم ذكرى رحيله في عام 1893، أن ما بذله من مجهود وضع به اللبنة الأساسية لنهضة تعليمية حديثة، سيكون مصيره إلى لا شيء.

رحلة علي مبارك مع تطوير التعليم بدأت عندما كلفه الخديوي عباس الأول بتولي مسؤولية النظارة، فجمع المدارس في مكان واحد وتحت إدارة ناظر واحد، وعين المدرسين، واختار الكتب، واشترك مع عدد من الأساتذة في تأليف بعض الكتب المدرسية، كما أنشأ مطبعتين للكتب، وأشرف بنفسه على رعاية شؤون الطلاب من ناحية المأكل والملبس والمسكن.

وعندما تولى الخديوي إسماعيل حكم مصر، عهد إليه بقيادة مشروعه العمراني لإعادة بناء القاهرة على الطريقة الحديثة بشق الترع وإقامة المباني الحديثة والميادين، حيث أنشأ مدرسة دار العلوم عام 1872م، ومجلة «روضة المدارس» التي كانت تصدر على نفقة وزارة المعارف عام 1866، ما أدى إلى نهضة تعليمية كبيرة آنذاك.

والمحزن، أن النظام التعليمي يعاني حاليا من تدهور وخلل كبير، خرجت أو تذيلت مصر تصنيفات التعليم على المستوى العالمي، حيث تتعدد المؤسسات التي تصدر تقييمًا للتنافسية التعليمية بين الدول، ومن أشهرها تقرير التنافسية العالمية الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وحصلت مصر فيه للعام 2016/ 2017 على المركز 89 من أصل 138 دولة، في جودة التعليم قبل الجامعي، والمركز 112 في التعليم العالي.

وخلال شهر مايو الماضي، أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خلال المسح الذي تجريه كل 3 سنوات، عن جودة التعليم العالمي، خروج مصر من القائمة نهائيًا، بعدما كانت في المركز قبل الأخير عالمياً، في آخر تصنيف، بينما حصلت سنغافورة علي المركز الأول، بعدها اليابان، واستونيا، وفنلندا، وكندا، وأما على المستوى العربي، جاءت الإمارات الأولى، ثم قطر، ولبنان والأردن والجزائر وتونس.

كما تعاني العملية التعليمية من تخبط شديد؛ حيث أعلن وزير التعليم، طارق شوقي، الشهر الماضي، تأجيل الدراسة بالمدارس اليابانية إلى أجلٍ غير مسمى بعد 5 أشهر من صدور قرار جمهوري بإنشائها، بحجة تنفيذ تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بعمل قواعد جديدة لاختيار تلاميذها ومعلميها، بجانب تردي الوضع التعليمي في المدارس المصرية بأكملها.

الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي، قال لـ«البديل»، إن رائد التعليم، الراحل علي مبارك، أتى في ظل وجود حاكم مستنير، يبحث عن تطوير بلده، لذلك وضع تحت يده جميع الوسائل التي تساعده على تحقيق هدفه، الأمر الذي فتح الباب أمام مبارك لتحقيق ما أنجزه من نهضة كبيرة.

وأضاف مغيث أن الوضع الحالي يختلف عما سبق؛ لأن أعداد المصريين كبيرة عن السابق، بالإضافة إلى عدم وجود إرادة سياسية حقيقة تعطي للتعليم أهميته وتفتح الباب أمام صانعيه لكي يحققوا نهضة حقيقية، مؤكدا أن المشكلات الموجودة في التعليم حاليا لا قبل للوزير بها، رغم أن هذا لا يعفيه من المسؤولية.

وتابع الخبير التربوي، أن الدستور نص في مادته الـ19 على أن 4% من إجمالي الناتج القومي يخصص لدعم التعليم، فإذا نظرنا إلى الرقم سنجد أنه يقدر بـ131 مليار جنيه، في حين أن ما يخصص بالفعل 81 مليار جنيه، ما يعني أن الدولة تستولي على 50 مليار جنيه دون وجه حق، بالمخالفة للدستور.

واختتم: “لكي نحقق نهضة تعليمية حقيقية، علينا تغيير فلسفة التعليم بالكامل باعتباره ليس مجرد شهادة توضع على الرفوف؛ عن طريق القضاء على منهج الحفظ والتلقين واللجوء إلى منهج النقد والتفكير؛ لأنه وحده القادر على تحقيق نهضة فكرية حقيقة في عقول المصريين”.