في دولة الرسول.. الْعِزَّةُ َلِلَّهِ جَمِيعًا (1)

“مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ “(10) فاطر.

في ذكرى مولد الحبيب محمد –صلى الله عليه وسلم- نتمثل سيرته ونحاول تلمّس هديه متبصرين العبرة من مواقفه مهتدين بثوابته التي أسّس بها لخيرية هذه الأمة، ورفع بها بناء دولته الركين.

لقد وضع الهادي البشير نُصب عينيه هدفا أسمى وغاية عظمى هي أن تقوم دولة الإسلام على أفضل ما تكون الدولة من القوة والمنعة في مواجهة أعدائها، وعلى خير ما تكون عليه الدول من وحدة وتماسك داخلي بتقوية الروابط بين أفرادها وإزالة الخلافات وتعميق القواسم المشتركة، ومحو الإحن من النفوس.

لقد كان منهجه صلوات ربي وسلامه عليه في بناء الدولة يقوم على أساس استلهام أسباب القوة بصورها الروحية والمادية معا، فكان بناء المسجد أول أعماله بالمدينة؛ فالتماس أسباب العزة لا يكون إلا بحبل الله المتين الذي له العزة جميعا، والمسجد مرتقى القلوب إلى ربها، ومجمع الأرواح في تقربها اليومي لخالقها، وهو مركز القيادة السياسية التي ستقود الدولة نحو تحقيق غاياتها في نشر الرسالة وإعلاء كلمة الله، ودحر المناوئين، كما جعله الرسول مقرا للقضاء تسوى فيه النزاعات في جو من الرضا والقبول.

إن تنظيم الجبهة الداخلية والعمل على سلامة نسيجها من الضعف والتحلل لهو من أوجب الأمور التي يجب أن يلتفت إليها كل ساع إلى تلمس أسباب العزة .. وبنظرة سريعة إلى مجتمع المدينة عند بداية تأسيس الدولة نجد تفاوتا كبيرا بين فئاته، وإذا استثنينا الجانب العقائدي سنجد أنهم أقرب إلى التفرق منهم إلى الاجتماع، فكانت المؤاخاة علاجا ناجعا أصلح به الرسول بين الأنصار أنفسهم- المؤاخاة بين الأوس والخزرج- وأعاد تقوية لحمة المجتمع بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وجعل من المؤاخاة سبيلا  إلى علاج المعضلة الاقتصادية التي نتجت عن انتقال المهاجرين إلى المدينة بغير أن يحملوا من أموالهم شيئا.. وتأكيدا على أهمية صيانة الجبهة الداخلية من الاختراق  والتهلهل، عاهد الرسول الكريم يهود المدينة، وتضمن العهد معهم أنهم والمؤمنين أمة من دون الناس  ” لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏( وثيقة المدينة) وإن بينهم النُّصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم‏، وإنه لا يأثم امرؤُ بحليفه‏،  وإن النصر للمظلوم‏، وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏، وإنه لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَنْ نَصَرَهَا‏، وإن بينهم النصر على من دَهِمَ يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ‏،  وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم”‏.

ويتضح من تلك الوثيقة أن الرسول لم يترك أدنى ثغرة من الممكن أن تنفذ منها أسباب الضعف والانهيار إلا واحتاط لها، برغم أن الدولة كانت ما زالت في طور النشأة إلا أن ذلك لم يكن داعيا لتقديم التنازلات أو قبول شروط جائرة من أي من كان، لأن التأسيس للدول يستلزم الأخذ بأسباب القوة والعمل على إدراك ذلك بشتى الوسائل، وتجنب كل ما يحول دونها أو يؤخرها او ينحرف بالدولة عن مسارها لامتلاك أسباب منعتها.

لم يكن الرسول في انهماكه الشديد ببناء الدولة داخليا واختيار أفضل العناصر ممن حازوا السبق من أصحاب الكفاءة المشهود لهم – ليغفل عما يراد بدولته الناشئة من كيد الكائدين، فما كانت العرب –وعلى رأسهم قريش- لتسمح لهذه الدولة أن تقوى دون مناوئة شديدة على طريق المواجهة المسلحة التي أصبحت أمر حتميا مهما طال إرجاؤه، وكان الأساس الركين الذي انطلقت منه الأمة حاملة رسالتها للعالم هو: أن أمر الإسلام أمر عزة ومنعة لا ذلة وصغار، أمر قوة قوامها العدل والرحمة والرفق، لا الغشم والظلم والطغيان، أمر هداية وتبصرة لا تعمية وضلال، أمر محاججة بالتي هي أحسن لا إرغام وقهر أو عسف وفرض للرأي.. من هنا كان انبعاث النور العلوي الذي غمر الدنيا كشلال ضياء ينهمر من عليائه دون استعلاء ولا غطرسة دحضا لقول من ادعى “أن على المؤمن أن يكون مستعليا بإيمانه على من سواه” وهذا معنى شديد الغرابة ولا أصل له، فعزة الدين في تفرده بنبل الغاية وعظمة المقصد ويسر الوسيلة، ولعل هذا ما يوضح كيف أصبح البون شاسعا بين الإسلام الذي عرفه الأوائل على يد معلم الأمة وهاديها، وهذا الذي ادعوه؛ فصار علما على القتل والدمار واستباحة الحرمات!

إن المؤمن يدرك معنى العزة بالاستغناء بالله عمن سواه، فالأقرب إلى القبول في تأويل قوله تعالى: “فلله العزة جميعا” أن هذا المبتغى غير مدرك إلا عنده سبحانه، فمن أراد العزة فليتعزز بالله، أما من ابتغاها- من هذه الأمة- عند غير الله ذل وهان وصَغُر في أعين الناس، وصار محتقرا لديهم، وتصير حاله من سيئ إلى أسوأ فـ”من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام”.

إننا في ذكرى المصطفى-صلى الله عليه وسلم- مطالبون أن نحتذي خلقه وأن ننعم النظر في سيرته، واختياراته وانحيازاته، ونلتمس فيها طريقا للخروج من الهاوية التي صرنا إليها، ونحن اليوم في أشد الحاجة لتمثل منهجه في العزة والمنعة التي اختارها لأمته، وجعلها أساسا لدولته.. فما أصدق القائل “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله” ولن تعرف تلك العزة الطريق إلى نفوسنا إلا إذا كنا صادقين في اللجوء إلى الله بالاقتداء برسوله الذي لا ينقطع فيه رجاؤنا، حتى مع اعترافنا أننا صرنا عن هديه أبعد؛ لكن رجاءنا فيه لا يخرج عن قوله سبحانه ”  لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128)التوبة.. فاللهم صلنا بمحبته مقتدين، ولا تجعلنا لنهجه مبدلين، اللهم وألهمنا العزة نحسها في الأرواح نفرة إباء وانتفاضة رفض لكل ما يروج من خضوع ونخاسة تحت مسميات عديدة ما أنزل الله بها من سلطان.