فؤاده باقية.. والهويس ما يزال مغلقاً

عشت صغيراً في بيت لم يكن سـماع الموسيقى والغـناء يدخل ضمن طقوسه، وربما لم تكن من المباحات فيه، وكان أول خروجي على نواميس البيت استماعي خلسة إلى غناء عبد الحليم حافظ في بدايات مراهقتي، ولا أذكر أن الراديو صدح يوماً بأغنيات أم كلثوم في حفلاتها الشهيرة في ذلك الوقت، المرة الوحيدة التي أتذكر اهتماماً منزلياً فوق العادة حين أقدمت سيدة غناء القصيدة العربية أم كلثوم على غناء “حديث الروح” عن كلمات من قصيدتين كبيرتين للشاعر الباكستاني محمد إقبال.

 

ومن بعد صار عبد الحليم حافظ مطربي المفضل، وبدأت شيئاً فشيئاً أدخل عالم الغناء خاصة تلك التي كانت تزدحم بها كثير من الأفلام لكثير من مشاهير المطربين والمطربات حين كنت أزوغ من المدرسة الثانوية مع شلة مدرسة السعيدية لندخل حفلات العاشرة صباحاً.

 

وفي الجامعة صارت فيروز هي الصوت المفضل عندي، وبدأتُ في اقتناء أشرطتها وأصبح صوتها هي غذائي اليومي في كل وقت صباحاً كان أم مساءاً، ولم تعد أم كلثوم إلى قائمتي المفضلة إلا بعد أن تعرفت في وقت مبكر من شبابي على المايسترو سليم سحاب الذي كنت أستمع إليه مبهوراً يحكي قصة عائلته مع الموسيقى والغناء وهو على العكس من تجربتي نشأ في بيت كان يومه كله ملئ بالموسيقى.

 

وقد لفتني بشدة أن والده كان يجمعهم، أمه وأخوته، وبعض أقاربهم وجيرانهم، وهم يرتدون كامل ملابس الخروج، يتحلقون حول “المذياع” لسماع محمد عبد الوهاب، أو أم كلثوم، وكان أبوه يرتدي بزته الرسمية وكأنه في قاعة الحفل بدار الأوبرا، وكانت جلسات الاستماع هذه عامرة بالأحاديث الممتعة عن الطرب والمطربين، والمنبع الذي بدأ ينهل منه معرفته بالموسيقى، والتاريخ الموسيقي العربي والشرقي، ومع كل جلسة كانت مداركه الموسيقية الأولى تنمو وتتفتح.

 

حين حكى لي سليم سحاب عن الكيفية التي كان يجمعهم أبوهم هو وأخويه الياس وفيكتور وزوجته وبقية أفراد العائلة لسماع أغنية لأم كلثوم الجديدة انطبع عندي صوتها مع هذه الهيئة لسماعها، حيث صوتها يفرض عليك أن تخلو إلى نفسك في كامل لياقتك المزاجية، أنت في حضرة حنجرتها الذهبية تحتاج إلى هيئة خاصة، وتهيؤ مخصوص، في حاجة إلى كامل تركيزك لتحصل على المزيد من الانسجام مع صوتها وأدائها اللحني المميز الذي لا يدانيه صوت أو أداء.

 

أما شادية فقد دخلت قلبي أولاً من أغنيات أفلامها، بهذه الرقة وهذا الدلع وتلك الملامح التي تقربك منها كأنها واحدة من العائلة، بصوتها شجن وحنين ولغنائها سحر لا يقاوم، والأهم أن هذا الصوت المميز الحنون كان يدخل القلب من دون استئذان، ليجد الترحيب به في كل وقت، وكانت طريقة أدائها تمثل حالة عابرة لكل الحالات، تسمعها في أي ساعة وفي أي مكان وعلى أي حالٍ كنت عليه، وقد جمعتُ بينها وبين عبد الحليم حيث اجتمعت أشرطتهما في سيارتي، أسمعهما بالتناوب.

 

وفي السينما كانت شادية رائعة خفيفة على المشاهدة، ولكنها تعملقت في دورها في “شيء من الخوف”، ومن منا لا يذكر تفاصيل المشهد العبقري حيث تقف فؤاده منفردة وملء عينيها مظاهر البؤس البادية على وجوه أهلها وقد منع عنهم عتريس ماء الري وهم جالسين على طول الترعة لا حول لهم ولا قوة، والخوف يكتسي ملامحهم وقد تملكت منهم الحسرة إذ يرون الأرض وقد تشققت جفافاً، ليفاجئوا بفؤاده وهي تفتح الهويس بكل ما أوتيت من قوة رغم ضعفها الجسدي وقد تملكتها روح التحدي والإصرار، فراحت تبذل الجهد في فتحه وتتعب من الجهد ولكن فرحة الناس تجعلها تستمر وعينيها تعبران عن الفرحة فيتدفق الماء وتعلو الزغاريد وتعم الفرحة وتروى الأرض فتعود الحياة لأرواح لناس قبل شقوق الأرض، ويتغلب الجميع على خوفهم فيكسروه، وحين يتجبر عتريس بفؤاده ويتزوجها رغم رفضها فيخرج أهل القرية عن بكرة أبيهم يعلنونها صريحة واضحة مدوية غير مرتجفة: “جواز عتريس من فؤاده باطل، باطل، باطل”.

**

35 سنة من التألق ومثلهم تقريباً في حالة اعتزال ولكن استمر حضورها طاغياً طول الوقت، وهي تشدو وتمثل ثم وهي معتزلة.

حضورها كان طاغياً في كل أحوالها، لم تغب عن وجدان الناس ولا فارقت محبتهم وما يزال حضورها رغم الغياب طاغيا على نبأ الرحيل.

كانت حاضرة وهي في قمة التألق وكانت حاضرة وهي في عمق الاعتزال، وكانت صادقة في كل حال.

رحلت شادية، وستبقى في ذاكرة المصريين فؤاده وهي تحاول من جديد تحدي العتاريس المستجدين، ستبقى فؤاده مقيمة بيننا تتطلع إلى لحظة كسر الخوف من جديد وتفتح الهويس الذي لا يزال مغلقا.