علي أحمد باكثير.. الأدب في خدمة الإسلام

 

تحل علينا اليوم ذكرى رحيل الأديب اليمني علي أحمد باكثير، الذي نجح في استغلال الأدب بشكل كبير لخدمة الإسلام بشتى الطرق، فتنوع إنتاجه الأدبي بين الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، ومن أشهر أعماله الروائية “وا إسلاماه”، التي حولت إلى فيلم سينمائي، و”الثائر الأحمر”، ومن أشهر أعماله المسرحية “سر الحاكم بأمر الله”، و”سر شهر زاد” التي ترجمت إلى الفرنسية، و”مأساة أوديب” التي ترجمت إلى الإنجليزية.

النشأة

تميزت نشأة على أحمد باكثير بمزيج من دول مختلفة، فأصله من حضرموت باليمن، وقد ولد في إندونسيا، وعندما كبر، استقر في مصر، وقضى بها ما تبقى من عمره حتى رحيله.

لد باكثير في 21 ديسمبر 1910م، في مدينة سورابايا بإندونسيا، لأبوين عربيين من حضرموت، وهناك تلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية، فدرس علوم اللغة العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء، منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي محمد بن محمد باكثير، وبزعت موهبته الشعرية في الصغر، فقد نظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره.

مصر في حياته

وصل باكثير إلى مصر في عام 1934م، والتحق بجامعة فؤاد الأول “جامعة القاهرة حاليًّا”، التي درس بها في كلية الآداب، وبعد انتهاء الدراسة، فضل الإقامة في مصر، حيث أحب المجتمع المصري، وتفاعل معه، فتزوج من مصر، وكان على صلة كبيرة برجال الفكر والأدب، ومنهم العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت وغيرهم، وفي الفترة من 1961 حتى 1963 حصل باكثير على منحة تفرغ لعامين أنجز فيهما ملحمة إسلامية كبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءًا، حيث تعتبر أطول عمل مسرحي عالمي، ثم حصل على منحة تفرغ أخرى أنهى خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر شملت “الدودة والثعبان، أحلام نابليون، مأساة زينب”.

أدبه في خدمة الإسلام

بتتبع إنتاج باكثير الأدبي نجد أنه دائمًا ما كان يستخدمه في خدمة الإسلام بشتى الطرق، فقد عمل على “أسلمة” روائع الأدب العالمي كما في مسرحياته الثلاث: “مأساة أوديب”، و”سر شهر زاد”، و”فاوست الجديد”.

ففي مسرحية “مأساة أوديب” أراد باكثير تجسيد مأساة الشعب الفلسطيني أمام الصهاينة مغتصبي أرضه، وذلك حسبما قال في كتابه “فن المسرحية من خلال تجاربي”، وفي “سر شهر زاد” فسر عقدة الملك الذي كان يتزوج كل ليلة فتاة عذراء ويقتلها في الصباح، حيث برأ المرأة من الخيانة، وأرجع عقدة الملك إلى فشله في إقامة علاقة مع زوجاته؛ مما يضطره لقتلهنّ. أما “فاوست الجديد” ففيها عاد بتقديم العمل برؤية إسلامية، حيث تناول قضية بيع الإنسان روحه للشيطان مقابل أن يساعده على التمتع بكل ما يريد من الشهوات الحرام.

وعندما قام بترجمة مسرحية “روميو وجوليت”، كان هدفه الأساسي منها الرد على أستاذ إنجليزي عاب على اللغة العربية عدم قدرتها على استيعاب هذا النوع من الشعر، وقد نجح فيها في ابتكار الشعر المرسل بشكل لافت للنظر.

وعندما كتب مسرحية “إخناتون ونفرتيتي” قدم إخناتون على أنه مصلح ديني من الموحدين لله رب العالمين، وافتتح صدر المسرحية بالآية القرانية “ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك”، حيث أراد الأديب الراحل وقتها أن يرفع راية الإسلام في أجواء الصراع الفكري بين التيار العروبي الإسلامي والتيار الفرعوني، إضافة إلى العديد من الأعمال الأدبية الأخرى التي أظهر فيها الجانب الإسلامي بشكل لافت للنظر.

الرحيل

حصد باكثير خلال حياته الكثير من الجوائز، فقد شارك نجيب محفوظ جائزة الدولة التقديرية الأولى مناصفة، وكان الموسم المسرحي في مصر يفتتح سنويًّا بمسرحيته “مسمار جحا”، التي تنبأ فيها باحتلال فلسطين، وبسبب غلبة الطابع الإسلامي على أعماله أطلقوا عليه لقب “إسلامستان” وقد ترك لنا إنتاجًا أدبيًّا وفيرًا، بلغ أكثر من ستين قصة ورواية، وتوفي في مصر يوم 10 نوفمبر 1969 عن عمر يناهز الستين عامًا بأزمة قلبية حادة.