عبرة من سور الصين العظيم

دائما ما تخبرنا المعالم التاريخية بقصص رائعة ذات عبرة، وسور الصين العظيم هو أحد تلك المعالم. عندما أراد الصينيون أن يعيشوا فى أمان‏، شيدوا سور الصين العظيم‏ بين القرنين الخامس قبل الميلاد والسادس بعد الميلاد. وراح السور يمتد لأكثر من ستة آلاف وأربعمائة كيلومتر، وبعرض ستة أمتار فى المتوسط، حتى أصبح أحد عجائب الدنيا السبع. وسور الصين العظيم ليس سورا فقط، بل هو مشروع دفاعى متكامل يتكون من جدران عالية سميكة وأبراج مراقبة وممرات وثكنات للجنود وأبراج إنذار وغيرها من المنشآت الدفاعية.

وقد بنى فى الأصل، من الطوب والحجارة، لكى يحمى الحدود الشمالية لإمبراطورية الصين من هجمات الأعداء، خاصة جيوش المغول. وتطلب بناؤه الكثير من الوقت والجهد والمال والعرق والكد، وفقد مليون شخص حياتهم فى هذا المشروع الضخم.

كان السور قويا بالقدر الكافى لمنع أية هجمات من السيوف والرماح، وهى الأسلحة المستخدمة فى ذلك الوقت، ومرتفعا بالقدر الذى يمنع جنود الأعداء من تسلقه ودخول الإمبراطورية الصينية. كما أنه كان ممتدا لمسافة طويلة تجعل من المستحيل فعليا على أى جيش أن يسير ويلتف حوله. ولزيادة التدابير، كان هناك عشرات الآلاف من الحراس يحرسونه ليل نهار. وهكذا اعتقد الصينيون بأنه حصن منيع ولا يوجد جيش فى العالم يستطيع اقتحامه.
لكن، هل استطاع سور الصين العظيم بالفعل أن يحمى الإمبراطورية الصينية من الغزاة؟ الحقيقة لا. ففى خلال المائة عام الأولى من بناء السور، تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات‏، وتشهد صفحات التاريخ على المزيد من الجيوش التى اخترقته بسهولة، فى الوقت الذى كان يبدو أنه من المستحيل اختراقه. وكان السور يتم تعزيزه عقب كل غزو، فيتم وضع المزيد من الطوب والحجارة، ومن ثم ينفق المزيد من المال. لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح. إذن ما الذى حدث بالفعل؟

ما حدث هو أنه فى حين لم يدخر الحكام جهدا أو مالا فى تشييد السور، تجاهلوا تماما أحوال الحراس. فكان هؤلاء الرجال محبطين للغاية، ويشعرون بالوحدة الشديدة والتعاسة التامة. وكانت تنتابهم حالة من حالات الاستياء والغضب تجاه الحكام؛ لأنهم يعاقبونهم من خلال وضعهم وتركهم فى تلك الأماكن البعيدة. وهكذا لم يستطعوا تفهم الهدف الأكبر من بناء هذا السور حتى يرتبطوا به. ولذلك، فى كل مرة كان يشن فيها الأعداء غزواتهم على السور، كانوا يدفعون لحراس السور الرشوة فيفتحون لهم الأبواب، ومن ثم يعبرونه بسهولة ويسر. فلم تكن هناك حاجة لاختراق السور أو تسلقه، فقد تم اجتيازه من خلال خيانة الثقة. وفشل السور فى أداء الغرض الذى بنى من أجله؛ لأنه لم يتم وضع الحراس – الذين سيقفون لحمايته – فى الاعتبار أثناء تشييده. والعبرة من هذه القصة الحقيقية أن حكام الصين انشغلوا ببناء الحجر ونسوا بناء الإنسان، أى أهملوا تربية المواطن وتعليمه‏.

لعل هذه العبرة من سور الصين العظيم قد تأملها قادة الدول الناهضة والمتقدمة، وتفهموها جيدا. فحينما قالوا لرئيس وزراء سنغافورة الأسبق لى كوان يو “أنت صانع نهضة سنغافورة”، اعترض وقال: “أنا لم أصنع نهضة سنغافورة. أنا صنعت الإنسان السنغافورى، وهو الذى صنع نهضة سنغافورة”. وقبل ذلك، قال جواهر لال نهرو، رئيس وزراء الهند الأسبق: “لأننا أمة فقيرة يجب أن ننفق على التعليم بسخاء”. وقال نيلسون مانديلا، رئيس جنوب إفريقيا الأسبق: “التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم”. وقال باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة السابق: “إن كنت تظن أن كلفة التعليم باهظة فانتظر حتى ترى كلفة الجهل”.

ما قاله كل هؤلاء القادة العظام يؤكد أن القيادة السياسية التى تصل إلى السلطة وتريد أن تدفع بدولتها وشعبها إلى الأمام، يجب أولا أن تكون صاحبة رؤية تربوية وتعليمية لمواطنيها. ومن هنا كان الفارق بين عصر وعصر، وحقبة وحقبة فى تاريخ نفس الدولة. فما الفارق بين مصر قبل عام 1805 ومصر بعد عام 1805؟ الإجابة هى محمد على باشا بما حمله من مشروع لتطوير الدولة المصرية، وفى القلب منه النهوض بالتعليم، وذلك بإنشاء المدارس الحديثة فى معظم مدن مصر وإرسال البعثات العلمية إلى دول أوروبا، وقد انعكس هذا المشروع فى قيم جديدة اكتسبها المصريون وانعكست فى سلوكهم، أفرادا وجماعات، فى كافة مجالات الحياة.

وما الفارق بين ماليزيا عام 1980 وماليزيا اليوم؟ الحقيقة أن الفارق يمكن تلخيصه فى اسم شخص واحد، وهذا الشخص هو مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق. فحينما تولى مهاتير محمد مهام منصبه فى عام 1981، كانت ماليزيا دولة فقيرة يعيش ربع سكانها تحت خط الفقر، ولكنه قرر إحداث نقلة حقيقية فى البلاد، فوضع خطة لتطويرها وتنميتها اعتمدت على محورين رئيسيين هما: التعليم، والتصنيع. ومن ذلك نجح مهاتير محمد فى نقل بلاده من دولة زراعية فقيرة تعتمد على تصدير بعض السلع البسيطة مثل المطاط والقصدير إلى دولة صناعية متقدمة، تغزو منتجاتها الأسواق العالمية. وتمكن خلال اثنين وعشرين عاما قضاها فى السلطة من القضاء على الفقر، وتخفيض نسبة البطالة إلى ثلاثة بالمائة فقط، وضاعف متوسط دخل الفرد سبع مرات.

لكن ليس هذا هو الحال دائما فى معظم الدول، فبعض الدول تصب تركيزها على بناء السور العظيم ولا تلقى بالا بالحراس الذين يحرسونه، وهذا ما يتسبب فى حدوث الكارثة. فالديكتاتور فى الدول المتخلفة غالبا ما يهتم ببناء المشروعات القومية العملاقة، التى يظن إنها ستخلد اسمه على مدار التاريخ، وفى الوقت نفسه لا يهتم ببناء الإنسان، فيتجاهل تماما تعليم المواطن الذى سيقوم ببناء تلك المشروعات ويستفيد منها، أما القادة الناجحون فى الدول الناهضة فيدركون جيدا أن بناء السور العظيم ليس كافيا، ولكن المهم أيضا الاعتناء بحراسه وأحوالهم، وجميع الدول المتقدمة فى العالم لم تصل إلى ما وصلت إليه، إلا عن طريق الاهتمام ببناء الإنسان قبل الاهتمام ببناء الحجر.