عبد الباسط عبد الصمد.. موهبة بلغت عنان السماء

منذ واحد وثلاثين عاما، ودعت الأرض الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أحد قياثرة التلاوة، بعد رحلة مع القرآن الكريم، طاف بها بلاد العالم، خدم فيها كتاب الله بصوته، فوضع الله له القبول في قلوب الناس.

رحلته مع القرآن

شهد عام 1950، انطلاقة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، في عالم قراءة القرآن الكريم، حين أحضره أحد أقاربه إلى مسجد السيدة زينب للاحتفال بمولد السيدة زينب، وخلال الاحتفال استأذن من الحضور أن يقدم الموهبة الجديدة، ليقرأ أمام الجمهور وسط عملاقة من القراء، وبدلًا التلاوة 10 دقائق، استمر حتى وصل إلى نصف ساعة، نظرًا لعزوبة صوته الذي أطرب أذن الحضور.

وفي عام 1951، اعتمد عبد الباسط عبد الصمد قارئا للإذاعة المصرية، وارتفعت بعدها نسبة الإقبال على شراء الراديو للاستماع إلى الصوت الجديد الذي لاقى استحسان قطاع كبير منهم، ويبدأ بعدها رحلته مع عالم القرآن عبر مصر والدول العربية التي انهالت منها الدعوات له لكي يتلو القرآن الكريم فيها.

وفي زيارة له إلى الحرم المكي، سمع شيخ الحرم يقرأ من سورة البقرة إلى سورة الأنعام بقراءة ورش عن نافع: “وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا”، وقرأ في الركعة الثانية: “إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا”، فحرص الشيخ عبد الباسط على لقاء القارئ، ليصحح له سهوه في القراءة، فقال له: “كان ينبغي أن تقول: نبيئهم، بدلا من نبيهم، وأشد وطائا بدلا من أشد وطئا، فقد قرأت في الآية الأولى بقراءة حفص ولم تقرأ بقراءة ورش، فاعترف بالسهو، وطلب منه أن يبقى في الحرم المكي معهم.

مشاهد لا تنسى

وروى عنه في كتاب “دولة التلاوة القرآنية في مصر” للباحث محمد عبد اللطيف الصغير، أنه أثناء قراءة القرآن بدولة أوغندا، أسلمت إحدى المذيعات الشهيرات على يده بعد استماعها لصوته، كما أسلم أكثر من 70 نيجيريا على يده، وفى زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، أسلم على يده أيضا عدد من الأمريكيين.

وحقق الشيخ عبد الباسط عبد الصمد شهرة استمرت عقودا طويلة، امتدت من مصر إلى الدول العربية ومنها إلى بقاع العالم كلها، حيث كانت تستقبله الحشود في مطارات العواصم، كما جرى معه عندما زار باكستان، حيث استقبله وقتها رئيس الدولة بنفسه، وفي المغرب، طلب منه الملك محمد الخامس، الإقامة هناك مقابل أي شيء، وعندما زار إندونيسيا، اختارت الحكومة أكبر مساجد العاصمة جاكارتا ليقرأ فيه، لكن المسجد ضاق بالآلاف المحتشدة، وامتد الزحام خارجه ليملأ كيلو مترًا مربعًا في الخارج، وظل مستمعو الشيخ يقفون على الأقدام، حتى مطلع الفجر.

الإنجازات والرحيل

يعتبر الشيخ عبد الصمد صاحب الفضل الأول في إنشاء نقابة لمحفظي القرآن الكريم، كما انتخب كأول نقيب للقراء عام ١٩٨٤، وطوال مسيرته حصد أوسمة عدة من بلدان مختلفة مثل وسام الاستحقاق السوري ووسام ماليزيا الذهبي ووسام الأرز اللبناني ووساماً من السنغال وآخر من المغرب، فيما حصد آخر أوسمته بعد رحيله من الرئيس مبارك عام 1990، ورحل الشيخ عن عالمنا بعد مرضه بالسكر والكسل الكبدي اللذان أجبراه على السفر إلى لندن للعلاج، لكنه لم يمكث هناك طويلًا حيث فارق الحياة في 30 نوفمبر 1988، وأقيمت له جنازة رسمية حضرها سفراء دول العالم تقديرًا لمكانة الشيخ.