عباس في السعودية.. لإفشال المصالحة أم محاولة توريط؟

في الوقت الذي تشتعل فيه أجواء المملكة العربية السعودية سياسيًا بالعديد من الأحداث والتطورات، تأتي زيارة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، المفاجأة، لتضفي المزيد من التساؤلات حول الخطط التي ترسمها المملكة وتحركاتها السياسية خلال الفترة المقبلة، خاصة في الوقت الذي تتجه فيه الرياض إلى إشعال المزيد من الخلافات مع إيران وحلفائها سواء حزب الله اللبناني أو حركة حماس الفلسطينية.

زيارة مفاجئة

وصل رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مساء أمس الاثنين، إلى العاصمة السعودية الرياض، في زيارة مفاجئة وغير معلنة، حيث قالت مصادر سياسية فلسطينية إنها جاءت بعد استدعاء الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد، محمد بن سلمان، للرئيس الفلسطيني خلال زيارته إلى القاهرة، حيث كان في استقبال عباس فور وصوله إلى مطار الرياض، أمير منطقة الرياض، فيصل بن بندر بن عبد العزيز، ووزير الدولة، عضو مجلس الوزراء، مساعد بن محمد العيبان، وسفير فلسطين لدى المملكة، باسم الأغا، وطاقم السفارة الفلسطينية.

ووصل عباس إلى السعودية على رأس وفد شمل وزير الخارجية والمغتربين، رياض المالكي، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، رئيس هيئة الشؤون المدنية، الوزير حسين الشيخ، ورئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء ماجد فرج، ومستشار الرئيس للشؤون الدبلوماسية، مجدي الخالدي، ومدير عام الإدارة العامة للمعابر والحدود، نظمي مهنا.

مساعي لإجهاض المصالحة

تأتي الزيارة الفلسطينية في الوقت الذي تقود فيه السعودية حملة تطبيع سياسية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة عربيًا مع الاحتلال الصهيوني، حيث تعتبر الرياض في الوقت الحالي أحد أهم الأذرع الصهيوأمريكية في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق أهداف ومصالح الطرفين في المنطقة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول نظرة السعودية إلى المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس التي تمت بوساطة مصرية، ومن المفترض أن تدخل حيز التنفيذ وتتخذ فيها الحركتان خطوات جدية خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانت زيارة عباس المفاجأة إلى المملكة لها علاقة مباشرة بتوتر العلاقات بين الرياض وطهران واتجاه الأولى نحو التصعيد مع الأخيرة.

يبدو أن السعودية لم تكن راضية تمامًا عن اتفاق المصالحة الفلسطينية، وحتى إن كانت راضية فإن الأوامر الصهيوأمريكية تجعلها تتحرك في اتجاه إفشال المصالحة، في ظل التقارب الإيراني الحمساوي الذي بات يثير قلق وخشية الاحتلال الإسرائيلي، حيث تريد المملكة ضم السلطة الفلسطينية إلى الجبهة التي بدأت في تشكيلها منذ أشهر للتصدي لإيران وحزب الله، وفي الوقت نفسه، فإنها تريد استخدام ورقة المصالحة الفلسطينية في مواجهة إيران.

منذ زيارة نائب رئيس حركة حماس، صالح العاروري، إلى طهران في أكتوبر الماضي، وما تلاها من لقاء مع الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ثم إرسال الحركة وفدًا رسميًا رفيع المستوي إلى طهران لتقديم التعازي إلى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في وفاة والده، يشعر الاحتلال بدخول العلاقات بين إيران وحماس نفق غامض بالنسبة لها، ليبقى مصيرها وحلفاؤها مُهددًا في ظل اتحاد قوى المقاومة سواء في لبنان أو إيران أو فلسطين وربما سوريا قريبًا.

في الوقت نفسه، فإن زيارة عباس إلى المملكة والتقارب الإيراني الحمساوي يتزامنان مع تصريحات سابقة للرئيس الفلسطيني لوح خلالها باتجاهه نحو إفشال المصالحة بين قطبي المجتمع الفلسطيني، إلى جانب تلويحه بتناسق المواقف مع السعودية، حيث قال إنه «لن يسمح بإقامة كيان حزب الله آخر في قطاع غزة»، وعبر عباس خلال لقائه مع مجموعة من أعضاء الكنيست السابقين، أثناء زيارتهم له بمقر المقاطعة في رام الله، وبينهم القيادي السابق في حزب العمل الإسرائيلي، عميرام متسناع, عن نيته «عدم تعيين وزراء ينتمون إلى حركة حماس في الحكومة الفلسطينية ضمن إطار اتفاق المصالحة الموقع بالقاهرة الشهر الماضي، إلا إذا أعلنوا صراحة وعلى الملأ اعترافهم بإسرائيل»، وهو التصريح الذي يهدد بشكل مباشر المصالحة الفلسطينية على اعتبار أنه محاولة إقصاء جديدة للقيادة السياسية لحركة حماس التي تعتبر إحدى طرفي المصالحة وتسعى للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

تشكيك فلسطيني

العديد من الفصائل الفلسطينية بدأت تشكك في جدية رئيس السلطة الفلسطينية حول تنفيذ بنود المصالحة، خاصة بعد تصريحات أدلى بها رئيس حكومة التوافق، رامي الحمد الله، قال فيها «إنه لا يعقل أن نتسلم المعابر دون أن يكون هناك سيطرة فعلية للأجهزة الأمنية، لنباشر العمل الفعلي فيها، ولن تتمكن الحكومة من الاستمرار دون أن يكون هناك حلول واضحة للملف الأمني»، كما أن الحكومة الفلسطينية أعادت مؤخرًا سياسة التنسيق الأمني مع الاحتلال، وهو البند الذي كانت ترفضه حركة حماس بشكل قاطع، الأمر الذي دفع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، للتشكيك في جدية عباس بإنجاز المصالحة مع حركة حماس.

وقال القيادي في الجبهة الشعبية، رباح مهنا، إن تصريح رئيس الوزراء حول ضرورة توفير الأمن للمعابر كلام صحيح لكن أهدافه مشبوهة، ورأى أن التصريحات تزيد من الشكوك في جدية الرئيس محمود عباس في إتمام المصالحة، فيما اعتبر القيادي في الجبهة الشعبية، ذو الفقار سويرجو، أن «ما تقوم به السلطة من مماطلة يومية سيؤسس للفوضى».