سياسيو لبنان يقطعون الطريق على الفتنة السعودية

دائمًا ما كانت المملكة العربية تتبجح باتهام إيران بأنها تتدخل في الشأن السياسي الداخلي اللبناني من خلال حزب الله الذي هو مكون أساسي من مكونات الحكومة اللبنانية وفقًا للمحاصصة السياسية والطائفية في لبنان، ودائمًا ما كان حزب الله ينفي تلك الاتهامات، بأن إيران لا تتدخل في سياسته التي تتعاطى مع الملفات الداخلية للبنان.

التحركات التي قامت بها السعودية مؤخرًا فيما يخص استقالة رئيس حكومة الوزراء، سعد الحريري، عبر أراضيها وبصورة لم يخطط لها الحريري نفسه، جعلتها في موقع المتدخل السافر في الشؤون الداخلية للبنان، وهو الأمر الذي يجمع عليه معظم الساسة في لبنان وعلى اختلاف مشاربهم السياسة هذه المرة، فمتصدر تيار 14 أذار، وهو تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري نفسه، أصدر بيانًا بالأمس يعارض فيه ولو بالتلميح، سياسة السعودية القائمة على احتجاز الحريري عندها والطريقة التي تم من خلالها تقديم استقالته، حيث أكدت كتلة «المستقبل» النيابية والمكتب السياسي لتيار «المستقبل» وقوفها مع الرئيس سعد الحريري وقيادته قلبًا وقالبًا، ومواكبته في كل ما يقرره تحت أي ظرف من الظروف، واعتبرتا في بيان مشترك أن “عودة الرئيس الحريري ضرورة لاستعادة الاعتبار والاحترام للتوازن الداخلي والخارجي للبنان في إطار الاحترام الكامل للشرعية اللبنانية المتمثلة بالدستور واتفاق الطائف واحترامًا للشرعيتين المحلية والدولية”.

مكون آخر من مكونات 14 أذار وهو سمير جعجع، قال إن “الاستقالة لم تسقط التسوية الرئاسية” في لبنان، وأضاف “لا شك أننا في أزمة، ولكنها كبقية الأزمات التي مررنا بها، وكما استطعنا تخطي الأزمات السابقة سنتخطى هذه الأزمة”.

وفي ردة فعل هي الأقوى من شخصيات محسوبة على فريق الحريري احتجاجًا على الآلية السعودية التي تم تقديم الاستقالة من خلالها، أكّد وزير الداخلية والبلديات، نهاد المشنوق، أنّ “اللبنانيين ليسوا قطيع غنم ولا قطعة أرض تنتقل ملكيتها من شخص إلى آخر”، وأضاف: “السياسة في لبنان تحكمها الانتخابات وليس المبايعات”.

ولم تختلف تصريحات فريق 8 أذار عن تصريحات خصمها السياسي 14 أذار، حيث جاءت هي الأخرى متزنة ومسؤولة ومتناسبة مع الحالة الحرجة التي تمر فيها البلاد، ومن أبرز تصريحات هذا الفريق، تصريحات رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، الذي جدد تأكيده على عدم التعامل مع استقالة الحريري حتى عودته إلى لبنان، وكان عون قد أنهى المرحلة الرابعة من مشاوراته حول الحكومة، حيث استقبل البطريرك الماروني، بشارة الراعي، الذي سيتوجه للرياض الأسبوع المقبل، وقال المتحدث بإسمه، إن الراعي تلقى ردًّا إيجابيًّا من مسؤولين سعوديين بشأن احتمال الاجتماع مع الحريري.

مكون مهم من هذا الفريق حدد الملامح القانونية لهذه الاستقالة، وأخرجها من إطارها الدستوري، حيث أكد رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، الأربعاء الماضي، أن استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري غير دستورية، مشيرًا إلى أنهم بانتظار عودته، والتحليلات التي تقول بأن الحريري قيد الإقامة الجبرية في المملكة أو أنه أسير لدى السعودية، خاصة بعد عودة طائرته الخاصة ومرافقيه الأمنيين إلى بيروت من دونه، تتناغم مع تصريحات بري بعدم دستورية الاستقالة.

من جهته كان حزب الله سباقًا في تحييد تداعيات الاستقالة وتفريغها من إطارها الفتنوي، واعتبر أن استقالة سعد الحريري من رئاسة الوزراء كانت “قرارًا سعوديًّا”، فرضته المملكة العربية السعودية، وأجبرته عليه.

تقاطع تصريحات 8 أذار و14 أذار حول استقالة الحريري يشير إلى أنهم تفوقوا على أنفسهم هذه المرة، وحاولوا إيجاد حالة إيجابية تحصن الجبهة الداخلية والاقتصادية للبنان ضد التصرف غير المسؤول للمملكة، والذي لم يُراعِ أن مثل هذا التصرف قد يؤثر على حالة التعايش السلمي بين الأحزاب والطوائف اللبنانية المختلفة، فمخطط الاستقالة السعودي كان من الممكن أن يطيح بالحكومة الائتلافية في لبنان، والتي توصلوا إليها بشق الأنفس بعد فراغ برلماني ورئاسي دام لسنتين ونصف، الأمر الذي كان من شأنه أن يعيد لبنان إلى صدارة الصراعات الإقليمية في المنطقة، كما أنها قد تؤدي إلى نشوب أزمة سياسية وتوتر طائفي في البلاد.
وهذا ليس التدخل الأول للسعودية في السياسة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة الماضية، فالمملكة ضغطت على الحكومة اللبنانية سابقًا، ففي شهر فبراير 2016، أوقفت الرياض برنامج مساعدات للجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، ويشمل تزويده بأسلحة فرنسية، وكانت السعودية قد أوقفت المساعدات، بسبب “المواقف اللبنانية المناهضة” للمملكة في أزمتها مع إيران، على حد تعبيرها.

ويعد التدخل الأخير للمملكة في لبنان هو الأخطر، خاصة أن استقالة الحريري حملت في طياتها عبارات طائفية، وتلميحات باغتياله، وهو الأمر الذي قد يتسبب في وقوع كارثة سياسية في لبنان، فالرياض بهذه الاستقالة أعطت الضوء الأخضر لخصوم حزب الله في الداخل بالتصعيد ضده، من خلال اعتبار حكومة لبنان حكومة حرب، حتى يتم نزع سلاح حزب الله وإخراجه منها، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن، فالساسة اللبنانيون يدركون خطورة التصعيد في هذه المرحلة الدقيقة وتحلوا بروح المسؤولية.

وحتى الآن تحاول السعودية تأجيج الوضع الداخلي في لبنان بإعطائها تلميحات باقتراب شبح الحرب من لبنان، فبالأمس نقلت وكالة الأنباء السعودية عن مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية قوله إن المملكة طلبت من رعاياها بلبنان مغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن، ومن جهته قال الوزير السعودي لشؤون الخليج العربي إن “كل الإجراءات المتخذة تباعًا، وفي تصاعد مستمر ومتشدد، حتى تعود الأمور لنصابها الطبيعي”، وعلى الرغم من تلك التصريحات الرنانة، إلا أن مراقبين يقللون من أهميتها، فوضع المملكة المتدهور سياسيًّا وعسكريًّا وداخليًّا، بالإضافة لمواقف الدول الإقليمية المعارضة للحرب كمصر، وموقف الساسة اللبنانيين المسؤول في الداخل، كل ذلك سيقطع الطريق على الفتنة السعودية في لبنان.