جامعة الدول «السعودية» .. «العربية» سابقا!

ببصمات سعودية واضحة، جاء البيان الختامى للاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب الأحد الماضى بالقاهرة، ليحاول تقديم خريطة سياسية جديدة للصراعات الكبرى فى الشرق الأوسط، أصبحت من خلالها إيران العدو الرئيسى للدول العربية، وحزب الله لم يعد فقط طائفيا بل صار إرهابيا أيضا، فى حين أصبحت إسرائيل صديقا محتملا، بل وحليفا مؤكدا يمكن أن يشارك فى الحرب التى تريد المملكة أن تراها مشتعلة فى المنطقة بين السنة والشيعة، فى أقرب وقت ممكن!

عملية فك وتركيب الصراعات فى المنطقة طبقا للتصورات السعودية، سبقتها اتصالات سرية لا أحد يعرف مداها وعمقها بين المملكة وإسرائيل، حيث كشف وزير الطاقة الإسرائيلى يوفال شتاينتز بعض تفاصيلها المثيرة فى لقاء مع إذاعة جيش الاحتلال بعد اجتماع الوزراء العرب بيوم واحد، أكد فيه بوضوح تام أن بلاده أجرت محادثات سرية مع المملكة لبحث المخاوف المشتركة بشان إيران، فى نفس الوقت الذى فجرت فيه صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية منذ عدة أيام مفاجأة مدوية بتأكيدها على أن حكومة نتنياهو رفضت طلبا سعوديا بضرب حزب الله مقابل مليارات الدولارات، وذلك عقب احتجاز الرياض لرئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريرى لدفعه للاستقالة من منصبه، والتى ترافقت مع “حملة مشبوهة” شنها ولى العهد السعودى ضد ما أسماه “الفساد” فى المملكة، والتى اعتقل بمقتضاها عددا من معارضيه من الأمراء وكبار رجال الأعمال النافذين!

الهوس السعودى بزعامة محور سنى يواجه المحور الشيعى فى المنطقة، تخطى حدود الدفاع عن نفوذ الوهابية وحماية انتشار أفكارها فى الدول العربية، حيث يبدو أنه أصبح يرتبط بطموحات ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان فى حكم المملكة، والذى حاول تأكيد زعامته أو فرض نفوذه على منافسيه على العرش من أبناء عمومته، فورط بلاده حينما كان وزيرا للدفاع فى فى المستنقع اليمنى فى حرب عقيمة قدرت جهات غربية تكاليفها بأكثر من 1500 مليار دولار حتى الآن، تحملتها الخزينة السعودية على حساب انخفاض مستوى معيشة ملايين السعوديين، ثم يريد الآن ضرب حزب الله فى لبنان عقابا لإيران على إطلاق الحوثيين صاروخا باتجاه مدينة الرياض، بعد أن فشل فى هزيمتهم عسكريا باليمن!

محمد بن سلمان يدرك ولا شك أن تصعيده ضد إيران وحزب الله سيجد صدى طيبا لدى إدارة ترامب ولدى إسرائيل بالقطع، والذى يحاول كسب تأييدهما لتسهيل عمليه وصوله لحكم السعودية خلفا لأبيه، إلا أن هذا التصعيد وما صاحبه من إجراءات يثير العديد من التساؤلات حول موقف الدول العربية التى وقع وزراء خارجيتها على بيان إدانة ايران وحزب الله، بخصوص حجم الدمار الذى سببته الحرب السعودية على اليمن، والذى لا يمكن مقارنته بأى شكل من الأشكال بصاروخ الحوثيين الذين أطلقوه باتجاه الرياض، وبخصوص موقف المملكة من الإرهاب رغم تمويلها كل المنظمات المتطرفة بالمال والسلاح فى سوريا، ولا حول التدخل فى الشئون الداخلية اللبنانية بهذا السفور لدرجة إعلان استعدادها لتمويل هجوم إسرائيلى عليه بمليارات الدولارات، ولا بالدمار الذى سوف تخلفه هذا الحرب إذا نشبت على المنطقة، ولا بأهمية الحفاظ على حزب الله لردع أية مغامرات إسرائيلية فى لبنان.

قد يكون الوزراء العرب الذين وقعوا على هذا البيان يراهنون على عدم قدرة السعودية على شن الحرب على حزب الله، كما شنتها على الحوثيين فى اليمن، وقد يكونوا مطمئنين إلى رفض اسرائيل شن الحرب بالوكالة عن السعودية فى لبنان، ولكن مجرد توقيعهم على هذا البيان، بدون أية تحفظات على السياسات السعودية فى المنطقة يشى بأن الجامعة العربية أصبحت أداة فى أيدى المملكة، أو فى أفضل الأحوال ذراع سياسية لها، رغم أن أى خطأ فى حسابات هذا الطرف أو ذاك، قد يضع المنطقة كلها على برميل بارود يهدد بإشعال حربا ضارية، لن تنجو السعودية ذاتها من نيرانها المحرقة!