تركيا وأمريكا.. عودة إلى الهدوء السياسي

أجواء إيجابية سيطرت على العلاقات السياسية بين تركيا وأمريكا خلال الأيام الأخيرة الماضية، فيبدو أن العلاقات بين الطرفين في طريقها إلى الهدوء بعد التصعيد السياسي والاقتصادي بينهما منذ تولي الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، في يناير الماضي.
زيارة تركية لواشنطن
وصل رئيس الوزراء التركي، «بن على يلدريم»، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم الأربعاء، وذلك في زيارة من المقرر أن تستمر ثلاثة أيام، سيبحث خلالها العديد من الملفات مع المسؤولين هناك، حيث كان في استقباله سفير تركيا لدى الولايات المتحدة، «سردار كيليج»، وعدد من موظفي السفارة، ومن المقرر أن يلتقي مع نائب الرئيس الأمريكي، «مايك بنس»، غدًا الخميس.
ويرافق «يلدريم» في زيارته وزير الخارجية، «مولود جاويش أوغلو»، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية، «براءت ألبيرق»، ونائب رئيس الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، «محمد موش»، ورئيس لجنة الدستور في البرلمان النائب عن العدالة والتنمية، «مصطفى شن طوب»، والنائب عن نفس الحزب، «فولكان بوزقر».
تأتي هذه الزيارة بعد أيام من بحث وزير الخارجية التركي، «مولود جاويش أوغلو»، في اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي، ريكس تيلرسون، الأزمة بين البلدين، وملف تسليم المعارض التركي «فتح الله جولن»، ودعم أمريكا لأكراد سوريا، حيث يرى العديد من المراقبين أن الأجواء السياسية بين البلدين تتجه نحو الهدوء، خاصة في الوقت الذي فقدت فيه أمريكا نفوذها في سوريا والعراق، وفشلت في تحقيق مصالحها السياسية هناك، حيث أدركت مؤخرًا أنها الخاسر الأكبر في المنطقة، لا سيما بعد أن تدهورت علاقاتها مع حليفتها السابقة تركيا.
ومن ناحية أنقرة فإن خلافها مع دولة حليفة وعضوة في حلف شمال الأطلسي «الناتو» هو آخر ما تحتاجه، خاصة أن الرئيس التركي، «رجب طيب أردوغان»، مقبل على انتخابات عام 2019، حيث يحتاج إلى دعم دولي وإقليمي كبير للتغلب على إخفاقاته السياسية داخليًّا وخارجيًّا.
خلافات تركية أمريكية
بدأت الخلافات التركية الأمريكية تظهر للعلن خلال الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس الأمريكي السابق، «باراك أوباما»، لكن هذه الخلافات سريعًا ما أخذت في التصاعد بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي «الناتو» حتى بعد تنصيب الرئيس «ترامب»، حيث شعرت أنقرة بأن استراتيجية الرئيس الأمريكي الجديد لن تسير وفق التوقعات التركية، ولن تكترث كثيرًا بالمصالح بين الطرفين، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا في يوليو الماضي، ومماطلة واشنطن في تسليم الداعية الديني التركي والمعارض، «فتح الله جولن»، إلى أنقرة التي اتهمته بتدبير الانقلاب.
أضف إلى ذلك تحالف الولايات المتحدة بشكل مباشر ورسمي مع القوات الكردية المنتشرة في سوريا، والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني «بي كيه كيه»، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، فيما تتخذهم أمريكا ذراعًا للتصدي لتنظيم «داعش»، وهو التحالف الذي نجح بالفعل في تقليص سيطرة داعش على بعض الأراضي السورية، الأمر الذي أثار غضب تركيا من تمدد الأكراد في سوريا، خاصة في الشمال على الحدود التركية، حيث تشعر أنقرة بقلق شديد من تكوين هذا الفصيل الكردي كيانًا مستقلاًّ يمثل تهديدًا للأمن القومي التركي.
على الجانب الآخر تشعر واشنطن بقلق متزايد إزاء المؤشرات الدالة على تحول تركيا إلى المعسكر الروسي، والتقارب والتعاون السياسيين والعسكريين بين تركيا من جانب وكل من روسيا وإيران وفنزويلا من جانب آخر، بما في ذلك شراء أنقرة لصواريخ الدفاع الجوي «إس 400» روسية الصنع.
العلاقات بين أنقرة وواشنطن بلغت القاع في أكتوبر الماضي، خاصة بعد توقيف السلطات التركية اثنين من موظفي السفارة الأمريكية في تركيا بتهمة علاقتهما بمحاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي، الأمر الذي دفع أمريكا إلى إصدار قرار بتعليق تأشيرات الدخول إلى تركيا في 8 أكتوبر الماضي، حيث قالت البعثة الأمريكية في تركيا إن واشنطن علقت كل خدمات إصدار التأشيرات باستثناء الهجرة بكل منشآتها الدبلوماسية في تركيا، لاحتياجها إلى إعادة تقييم التزام أنقرة تجاه أفرادها، وهو القرار الذي ردت عليه تركيا بالمثل بعد ساعات.
خطوات نحو التهدئة
استبقت أنقرة وواشنطن زيارة «يلدريم» للولايات المتحدة بخطوات سياسية أعطت مؤشرات إلى اتجاه العلاقات بينهما إلى الهدوء قليلًا، حيث أعلنت السفارة الأمريكية في أنقرة أنها سوف تستأنف إصدار التأشيرات «جزئيًّا» ووفقًا لقواعد محددة، مضيفة أن الوضع الأمني هناك تحسن بصورة كافية، مما يسمح باتخاذ هذا الإجراء، فيما أكدت السفارة أن «قرارها استئناف خدمات تأشيرات الدخول بشكل جزئي اتخذ إثر تلقي ضمانات من أعلى مستوى في الحكومة التركية بأن موظفيها لن يتم احتجازهم أو القبض عليهم أثناء أداء مهامهم الرسمية بسبب حالة الطوارئ المفروضة في البلاد، وأنه ليس هناك أي موظف آخر في البعثة موضع تحقيق في تركيا»، وهي الضمانات التي نفتها سريعًا السفارة التركية في واشنطن، فيما أكد رئيس الوزراء التركي في ذات الشأن إن «مفاوضات نعطي فيها ضمانات للولايات المتحدة أو نطلب منها ضمانات تتعارض مع مبادئ دولة القانون».
الخطوة الأمريكية لاقت ترحيبًا تركيًّا كبيرًا، حيث قال رئيس الوزراء التركي قبل أن يغادر مطار أنقرة إلى الولايات المتحدة، إن «استئناف إجراءات منح تأشيرات دخول بين تركيا والولايات المتحدة هو إجراء ايجابي»، وبعد ساعات قليلة من خطوة التهدئة الأمريكية، اتخذت أنقرة خطوة مماثلة تجاه واشنطن، حيث أعلنت السفارة التركية في واشنطن، الاثنين الماضي، أنها استأنفت «في شكل محدود» منح التأشيرات في الولايات المتحدة، وكتبت السفارة التركية على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: تركيا تستأنف استقبال طلبات التأشيرات من المواطنين الأمريكيين في بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية في الولايات المتحدة بشكل محدود.