تحرير سعر الصرف.. رؤية الصندوق وأرقام الواقع

بينما تؤكد الحكومة وصندوق النقد الدولي أن القرارات الاقتصادية الأخيرة تهدف إلى تحقيق الإصلاح الاقتصادي، فإن أرقام الواقع تشير إلى أن هناك اختلافا كبيرا بين رؤية الصندوق ورؤية المواطنين.

تؤكد رؤية صندوق النقد الدولي لإجراءات الإصلاح الاقتصادي في مصر، على أن قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف الذي جرى اتخاذه في الثالث من نوفمبر العام الماضي، بجانب البرنامج الإصلاحي الذي وضعته الحكومة، قد أسهم في إنقاذ الاقتصاد المصري وتغيير مساره من الاتجاه التراجعي إلى المسار الإيجابي.

ويقول جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، إن البنك المركزي المصري يقود عملية تحول اقتصاد كبرى في مصر، واتخذ إجراءات كانت شجاعة أدت إلى وضع الاقتصاد على الطريق الصحيح، موضحا أن الأوضاع قبل بدء اتخاذ تلك الإجراءات كانت صعبة مع تفاقم العجز والتراجع الحاد في إيرادات النقد الأجنبي ومحدودية الصادرات، ما انعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد.

الحكومة والصندوق

من جانبها، نشرت الحكومة عدة أرقام تؤكد أن الاقتصاد يسير على الطريق الصحيح منها وصول حصيلة التدفقات الأجنبية إلى 80 مليار دولار، مع استقرار سعر صرف الدولار عند 17.60 جنيها خلال الشهور الماضية، وزيادة حصيلة الإيرادات السياحية إلى 5.3 مليار دولار خلال الـ9 أشهر الماضية، وارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي بقيمة 10 مليارات دولار، وتراجع العجز في ميزان المعاملات بقيمة 4.2 مليار دولار.

وأظهرت أرقام الحكومة أنه دخل مصر 8 مليارات دولار استثمارات أجنبية مباشرة، بالإضافة إلى تدفق 19 مليار دولار في صورة سندات وأذون خزانة، وتراجع في معدلات البطالة بقيمة 1%، ووصول معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع للسنة المالية الماضية، التي انتهت في 30 يونيو 2017، إلى 5%، ونمو الإنتاج الصناعي خلال عام بنسبة 33%.

هذه الأرقام أكد عليها صندوق النقد الدولي في إشارة منه إلى تحسن الأوضاع المالية والنقدية، معتبرا أن مصر قطعت شوطا كبيرا في الإصلاح بالتحسن الكبير في سوق الصرف وحركة التدفقات النقدية واختفاء السوق السوداء للدولار وتحسين الصادرات وعائدات السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.

واعترف صندوق النقد، على لسان مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بأن لأي عملية إصلاح تبعات على المجتمع، وكشف عن أن الحكومة المصرية لديها العديد من الإجراءات الجديدة للحماية الاجتماعية وتوسيع قاعدة برامج الحماية ستتخذها خلال الفترة المقبلة تتركز على خلق فرص عمل كثيفة، وإعطاء محفزات للمستثمرين المحليين والأجانب بهدف التشجيع على الإنتاج والتصدير بما يمنح مصر مكانة أكبر في التجارة العالمية.

الواقع والطبقات الفقيرة

الحكومة والصندوق في رصدهما لإنجازات الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف، الذي أنقذ الاقتصاد المصري بحسب رؤيتهما، تناسيا عن عمد ما أحدثته قرارات الحكومة برعاية صندوق النقد في الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي انهارت نتيجة عملية الإصلاح، والتي أدت بدورها إلى ارتفاع الأسعار بنسبة أكبر من نسبة ارتفاع الدخل للمواطنين.

فمعدل التضخم ارتفع من 14% في شهر أكتوبر 2016 ليسجل 32.9% في سبتمبر 2017، مما أحدث موجة كبيرة من ارتفاع الأسعار تراوحت بين 40 و70% بسبب إجراءات الحكومة الاقتصادية التي اتخذتها منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما مثل ضغطًا كبيرا على المواطنين، مما دفع الرئيس لمنح العاملين بالدولة من غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية علاوة استثنائية بقانون صدق عليه الرئيس، وهي علاوة غلاء استثنائية بنسبة 10% من الأجر الأساسي لكل منهم في 30 يونيو 2017، أو في تاريخ التعيين بالنسبة لمن يعين بعد هذا التاريخ، وبحد أدنى 65 جنيها وأقصى 130 جنيها شهريا، وتعد هذه العلاوة جزءا من الأجر الأساسي للعامل، على أن تُضم إليه اعتبارا من أول يوليو 2017.

وعلى الرغم من رفع البنك المركزي معدل الفائدة بـ700 نقطة أساس منذ التعويم لتصبح الفائدة 18.5% وهي أعلى فائدة في العالم بعد الأرجنتين إلا أنها لم تخفض معدلات التضخم المرتفعة.

الأرقام التي لم تذكرها الحكومة والصندوق تؤكد أيضا أن مصر اقترضت خلال العام الماضي، منذ تحرير سعر الصرف، 4 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، و7 مليارات دولار حصيلة سندات دولية، وملياري دولار إعادة شراء سندات كانت مستحقة السداد، و5.2 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الإفريقي، وملياري دولار من البنك الدولي، و500 مليون دولار من بنك التنمية الإفريقي، أي أن مصر اقترضت 20.7 مليار دولار تم وضعها في الاحتياطي النقدي الذي ارتفع إلى 36.5 مليار دولار، الأمر الذي يصعب اعتباره إنجازا لأنها ديون واجبة السداد في المستقبل، حيث ارتفاع الدين الخارجي إلى 79 مليار دولار، في يونيو الماضي بزيادة نحو 41% عن مديونيات العام السابق.