بين الثبات على المبدأ والتأخّر الذهني

وجدته يمتدحه بكُل ما ورد في كُتُب المدح من ألفاظ وتراكيب لغوية للإطراء والثناء والإثناء، وجدته يشيد بمواقفه في كافة المجالات ويعلن أنه قد انضم إلى مصاف المثُل العليا لديه، نظرت إلى عينه التي لمعت وتلألأت بأسفلها قطرة تسربت من الكيس الدمعي من فرط التأثر، واختتم كلماته بقول “هذا الرجل لم تتغيّر لديه قناعة واحدة منذ أن تعرّفت إليه، إنه الثبات على المبدأ والموقف الواحد يا سادة”.

 

وبمجرد أن اختتم جملته بكلمة “يا سادة” بدأت في التفكير في هذا الشخص ذاته – قائل العبارة – والذي يقوم بدور “المدّاح” في الموقف السابق روايته. بدأت أراجع تقلباته المزاجية والفكرية التي كنت أحترمها في كافة مراحلها، وأقدّر فيه بحثه المستمر عن الحقيقة في الأمور والتي تتسبب دائماً في حالة التقلّب التي رآها البعض تخبّطاً.

 

كيف لشخص صاحب تجربة أن يخرج من تجاربه دون تغيير في موقف أو فكرة أو شعور تجاه أمر ما؟ هل هذا حسن أم سيء؟ وكيف لمن سبق وأن خرج من تجاربه بتغييرات فكرية وشعورية أن يثني على من لم يتغيّر لديه موقف واحد طيلة حياته؟ وكيف بالأساس لكائن حي ألّا يتغيّر لديه موقف أو شعور تجاه أمر ما؟ ما وجه المتعة في هذا؟.

 

هذه ليست تساؤلات لأن السؤال يقتضي إجابته وهنا لا توجد إجابة، الجمل الاستفهامية
السابقة تتردد في الذهن بمجرد أن نرى أحدهم يمدح شخصاً بهذا النوع من المدح ويصفه بتلك الصفات مستدلاً بهذه الدلالات العجيبة.
فالمواقف الثابتة التي لا تتغير تنم إما عن شخص عديم التجربة ولا يحدث في حياته أي تطوّر، أو عن شخص عديم النظرة، يفتقر إلى النقد والتحليل للأمور، لا يتعلّم من أخطائه ولا أخطاء الآخرين ولا يتعلّم أيضاً من نجاحاته ولا من نجاحات الآخرين، شخص يتسم بالجمود وعدم المرونة مع نفسه، لا ينتقد حاله ولا تفكيره ولا يراجع خطوة واحدة في حياته بعد أن يتخذها، يصفه من حوله بالثبات على الموقف والثبات على المبدأ، بينما هو ثابت على حالة عدم النضج التي وجد نفسه عليها منذ ولادته في هذه الحياة.

 

الفارق بين الثبات على المبدأ الواحد والموقف الواحد، وبين الجمود وعدم المرونة في التجارب الحياتية، هو ذاته الفارق بين الذكاء والغباء كصفتين مجرّدتين.
فقد قال العظيم “ألبرت أينشتاين” من قبل في تعريفه للغباء أن الغباء هو أن تفعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات ثم تنتظر نتائج مختلفة.

وهنا وبمجرد النظر إلى الإنسان خلال خوضه أي تجربة أو موقف فهو إما يكون موفقاً فيها أو غير موفّق، فإن كان موفّقاً فعليه هنا تجديد الثقة في آليات خوضه لتلك التجربة والعمل على تطويرها بما يتناسب مع كل موقف وتجربة يمر بها في ما بعد، أما إن لم يكن موفّقاً فعليه أن يغيّر من آلياته في العبور من التجربة التي مر بها والتجارب المشابهة، والآليات تلك التي هي بالأساس نابعة من الأفكار والقناعات الشخصية، ومن ثم يصبح من الضروري تغيير الأفكار والقناعات الشخصية ذاتها، مراجعة الأفكار بعد أن تثبت فشلها أو عدم اكتمال فعاليتها في المواقف المختلفة، المراجعة والنقد الذاتي والنظرة التحليلية للأمور هي ما يستحق الإشادة، الثبات على المبدأ يأتي من خلال المراجعات المختلفة للأفكار لتحقيق الهدف، الهدف هو ما يستحق الثبات عليه، ونُبل الوسيلة هو الفكرة الثابتة الأخرى، إنما الإبقاء على الآليات ذاتها والأفكار بعينها رغم تعدد التجارب وعدم الفعالية خلالها يندرج تحت بَند الإعاقة الفكرية والتأخّر الذهني.