بعد خسارة نفوذها.. أمريكا تبحث عن دور جديد في سوريا

تطورات سريعة مرت بها الأزمة السورية خلال الأيام القليلة الماضية، سواء على طاولة المفاوضات أو المعادلات الميدانية أو التحالفات السياسية، فمن جنيف إلى استانة إلى سوتشي، تتغير الاستراتيجيات الدولية وتتبدل المصالح والأهداف والمراهنات، الأمر الذي يؤثر حتمًا على التحالفات ويطرح وقائع جديدة لم تكن مطروحة من قبل.

انعطافة أمريكية

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة أمريكيا، أمس السبت، أنها لن تتوجه إلى مدينة البوكمال شرقي سوريا، تجنبًا للاصطدام مع الجيش السوري والقوات الحليفة والموالية له، بحسب زعمها، وقال المتحدث الإعلامي باسم “مجلس دير الزور العسكري” التابع لـ”قسد”، باسم عزيز، إن عناصرهم متواجدون على مدخل قرية أبو حمام، مضيفا أن وجهتهم المقبلة ستكون قرى وبلدات منطقة الشعيطات.

الإعلان الكردي عن وقف التقدم باتجاه البوكمال، رغم أنه لم يكن واقعيًا من الناحية العملية، لكنه يأتي في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، الجمعة الماضية، أن الرئيس رجب طيب أردوغان، حصل من نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، على ضمانات بأن واشنطن ستتوقف عن تزويد الفصائل الكردية في سوريا بالسلاح، وقال أوغلو، إن ترامب أعطى تعليمات واضحة جدًا بوقف تسليم الأسلحة إلى وحدات حماية الشعب الكردي، وأكد بأن “هذا الهراء كان يجب وقفه منذ وقت طويل”.

الأنباء أكدها البيت الأبيض بشكل ضمني بعد ساعات من تصريحات المسؤول التركي، قائلا إن الولايات المتحدة بدأت تعدل دعمها العسكري لشركائها المسلحين في سوريا، ونقل البيت الأبيض عن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قوله إنه أبلغ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال اتصال هاتفي، أن واشنطن بدأت تعدل الدعم العسكري لشركائها على الأرض في سوريا.

محاولات تقارب

أدركت واشنطن أخيرًا أن نفوذها السياسي والعسكري في سوريا لم يعد له وجود، فالجماعات المسلحة التي كانت تدعمها انهارت وتفرقت، فبعضها يبحث عن مصالحه مع الجيش السوري وتسليم السلاح، وبعضها الآخر، يبحث عن منافذ للهروب من المستنقع السوري، الأمر الذي دفعها إلى التفكير جديًا في التحالف مع طرف له ثقل وأهمية في المنطقة والحسابات الدولية، ولا يزال له نفوذ في الأزمة السورية، فلم تجد أفضل من حليفها التاريخي منذ أكثر من ٧٠ عامًا، وهو تركيا.

الجيش التركي يسيطر على قسم لا بأس به في الحدود السورية التركية، حيث سيطر على جرابلس في ٢٤ أغسطس عام 2016، ليمتد من هناك حتى أعزاز وعمقًاً باتجاه مدينة الباب، الأمر الذي يجعل له وجود في الساحة الميدانية، ناهيك عن كونه داعما لما يعرف بـ”الجيش الحر” والفصائل الحليفة له، ومنها التركمانية، إضافة إلى أن الوجود التركي في هذه المناطق لم يقتصر على الناحية العسكرية فقط، بل تسعى أنقرة إلى تقديم مجمل الخدمات الحيوية، كالصحة والتعليم والكهرباء والمياه والأمن والبنى التحتية لسكان هذه المناطق؛ لضمان تأييد سكانها لأي مشروع أو مخطط تركي في وقت لاحق أو في سوريا عمومًا.

من ناحية أخرى، اتخذت تركيا خلال الفترة الماضية العديد من الخطوات باتجاه المحور الروسي الإيراني، وظهر ذلك في التحالف الاستراتيجي بين الأطراف الثلاث والزيارات المتبادلة والتنسيقات السياسية والعسكرية، التي كان آخرها على المستوى العسكري، توقيع صفقه لشراء صواريخ “إس400” بين تركيا وروسيا، وعلى المستوى السياسي عقد لقاءات قمة ثلاثية بين الرئيس الإيراني حسن روحاني، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، والتركي، رجب طيب أردوغان، في منتجع سوتشي، الأمر الذي سلط الضوء على انتهاء النفوذ الأمريكي في المنطقة، وفقدان واشنطن لهيبتها في العالم عمومًا وفي سوريا على وجه التحديد.

واشنطن تتخلى عن حلفائها

تخلي الإدارة الأمريكية عن حليفها الأقرب في سوريا وساعدها الأيمن المتمثل في القوات الكردية، لم يكن مفاجئًا لمتابعي الاستراتيجية الإدارة الأمريكية، خاصة منذ تنصيب الرئيس ترامب، حيث سبق أن تخلت واشنطن عن دعم الجماعات المسلحة الإرهابية هناك، والتي كانت تطلق عليهم “المعارضة المعتدلة”، فرغم المليارات التي أغدقتها عليهم طوال ما يقرب من أربع سنوات، وبرامج التدريب وغيرها من الدعم اللوجيستي والاستخباري، فكرت مرتين في التخلي عنهم بعدما أصبحوا أوراقا محروقة في معادلات القوة بسوريا، الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة لن تتواني في التخلي عن حلفائها الأقرب إذا اكتشفت أنهم باتوا يشكلون عبئًا على كاهلها سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية لا يمكن التعويل عليها في أي دعم سياسي أو عسكري.

ماذا عن مستقبل الأكراد؟

يبدو أن سحب الدعم الأمريكي لأكراد سوريا، يأتي ضمن الاتفاق الذي أقره الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي، دونالد ترامب، خلال محادثاتهم الأخيرة، حول مستقبل سوريا وإيجاد حل سياسي وسلمي هناك، حيث تحدثت بعض الوسائل الإعلامية عن أن الاتفاق تضمن إقناع الجماعات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية بضرورة الانسحاب من الرقة والحسكة ومنبج والشريط الحدودي السوري مع العراق، مقابل الاعتراف للأكراد بحكم ذاتي أو إدارة فيدرالية في المناطق التي يشكل فيها الأكراد الغالبية اللازمة التي ستزعج تركيا بلا محالة.

على جانب آخر، أعلن الرئيس المشترك لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” رياض درار، أن “قوات سوريا الديمقراطية ستنضم للجيش السوري الذي سيتكفل بتسليحها عندما تتحقق التسوية السورية”، وأضاف “إذا كنا ذاهبين إلى دولة سورية واحدة بنظام فيدرالي، نعتقد أنه لا حاجة للسلاح والقوات، لأن هذه القوة سوف تنخرط في جيش سوريا ولأن الوزارات السيادية مثل الجيش والخارجية ستكون لدى المركز، وقوات سوريا الديمقراطية هي قوات سورية وليست قوات محلية”، وتابع “نحن نعمل من أجل السلام في سوريا وليس المواجهة مع أي طرف سوري، إنما نبني ذاتنا ونحمي مناطقنا ونحافظ عليها في حالة أمن وأمان وسلام إلى أن يحين الموعد المرتقب موعد التفاوض الحقيقي”.

تركيا تغير لهجتها

يبدو أن المعادلات الميدانية الحالية لم تدفع أمريكا فقط لتغيير استراتيجيتها في التعامل مع الأزمة واللجوء إلى حلول واقعية، بل برزت بوادر تغيرات تركية مفاجئة أيضًا فيما يخص التعامل مع النظام السوري؛ فالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي طالما انتقد الجيش السوري بشكل لاذع ووصف بشار الأسد بداعم الإرهاب ومجرم الحرب، يلوح الآن بإمكانية التعاون مع الرئيس السوري.

وقال أردوغان، أمس السبت، ردًا على سؤال للصحفيين الأتراك عقب قمة سوتشي حول سوريا، حول إمكانية الاتصال بالأسد لبحث مستقبل وحدات حماية الشعب الكردي: “مهما حدث غدًا، كل شيء يعتمد على الظروف، من غير المناسب القول أبدًا لن يحدث بشكل عام، أبواب السياسة مفتوحة دائمًا حتى آخر لحظة”، مضيفاً أن “الأسد أيضًا ضد الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري”، دون أن ينفي إمكانية إجراء اتصال مستقبلًا بالرئيس السوري.