اليسار الإسلامي.. جدل التناقض والتلفيق (1)

هناك مقولة قيلت بحق الإمام الغزالي يمكن من خلالها تفسير أسباب ظهور ما سمي بـ “اليسار الإسلامي” المقولة التي نحن بصددها تتحدث عن موقف الإمام الغزالي من الفلسفة، وتظهر تأثيرها الكبير على أفكاره ورؤاه؛ حتى بعد أن فارقها، وحتى بعد إعلانه الحرب عليها وعلى المشتغلين بها حتى قيل “إن الغزالي هضم الفلسفة؛ فلما أراد أن يتقيئها ما استطاع” وهي مقولة تبرز إلى حد كبير مدى صعوبة التخلص من التأثير الكبير للمشرب الفكري الأول الذي أسماه أحدهم “رواسب النهر القديم” التي تظل فاعلة ومؤثرة حتى لو تحول الإنسان إلى النقيض؛ لأن المعرفة الأولي تصبح جزءا من البناء الفكري يصعب هدمه أو التخلص منه بالكلية؛ حتى لو تحول الإنسان إلى حالة العداء الكامل، وربما كانت محاولات البعض الفاشلة في الخلاص من تلك التأثيرات هو ما يفسر ذلك الشطط الذي وصل إلى حد اللدد في الخصومة، وهو ما يفسره قول آخر عن الإمام الغزالي يفيد بأنه عندما تعاطى الفلسفة أصابته بعسر هضم شديد جعلته يصب جام غضبه عليها وعلى المشتغلين بها.

إن التزام الخندق الأول أمر جد صعب، ولا يمكن فرضه على أحد، كما أن صفاء المورد الفكري بالكلية أمر ليس سهل المنال؛ لكن التلفيق لا يصلح لأن يكون طرحا يؤسس لفكر جديد، حتى وإن دعت إليه ضرورات الواقع.. لكن الأمر يزداد صعوبة عندما يصر البعض على الاحتفاظ بتلك الحمولة الفكرية الزائدة؛ مع محاولات لاستدعاء التراث، وتفاعل مع الواقع وتأزماته يهدف إلى صنع البدائل وإيجاد الحلول، وكأنما يفرض ذلك الشخص على نفسه أن يحيا كأبي العلاء لكنه هنا رهين محابس ثلاثة لا فكاك منها.

وفي عصرنا المصطخب بالتحولات إلى النقائض برز العديد من المفكرين الماركسيين الذين “تأسلموا” على نحو ربما يثير السخرية، ونحن هنا نذكر قول “جارودي”: جئت إلى الإسلام حاملا الإنجيل بيد، وفي اليد الأخرى رأس المال لماركس، وقد قررت عدم التخلي عن أي منهما. ومقولة أخرى للدكتور عبد الوهاب المسيري-رحمه الله- قالها على سبيل المزاح لكنها بالغة العمق قاطعة الدلالة “أنا ماركسي على سنة الله ورسوله” وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا سنرى المشروع الفكري للدكتور علي شريعاتي قد ” حاول التوفيق بين علاقة الانتماء الديني (الإسلام) والمذهبي(التشيع) للأمه الإيرانية، والمقولات اليسارية عامة والماركسية بشكل خاص”.

وهناك محاولات أخرى سابقة لصياغة مشروع فكري تحت مسمى اليسار الإسلامي مثل العناوين التي أطلقها سيد قطب في منتصف الخمسينات “معركة الإسلام والرأسمالية” و”العدالة الاجتماعية في الاسلام” و” معالم في الطريق” الذي اعتبره البعض بمثابة “مانيفستو” إسلامي، ولا يمكن غض الطرف عن كتاب الدكتور مصطفى السباعي اشتراكية الإسلام الذي صدر أواخر الخمسينات، وانتشر انتشارا كبيرا في العالم العربي بعد أن حظي بحفاوة شديدة من نظام الرئيس عبد الناصر، وكذلك الكتب التي أصدرها الدكتور محمد عمارة في الستينات والسبعينات “الاسلام والثورة” و”التغيير الاجتماعي عند عمر بن الخطاب” و”الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب” وكان من الواضح أن كثيرا من تلك المحاولات قد تمحورت حول فكرة تثوير الإسلام، والتأكيد على العدل الاجتماعي في الإسلام كمرتكز رئيس لا يمكن التغاضي عنه، وكذلك فكرة التحديث والقابلية الكبيرة للتعاطي مع المتغيرات الآنية، مع المحافظة على الأصول في إطار محاولات لفهم عصري.

ويعتبر الدكتور حسن حنفي من أهم منظري اليسار الإسلامي و هو من حاول جاهدا وضع إطار فكري واضح لهذا الطرح إذ يقول “أن اليسار الإسلامي ليس حزبا سياسيا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجَّه ضد أحد، لأنه يرى السياسة في ثقافة الأمة ونهضتها، فالمعارك أساسا في الثقافة وداخل وعي الأمة الحضاري. ولا يهدف اليسار الإسلامي إلى استنفار أحد أو الاستعداء على أحد، بل يرمي إلى يقظة الأمة، واستئناف نهضتها الحديثة، وطرح البدائل أمام الناس، والاحتكام إلى جماهير الأمة، وتجاوُز الحلول الجزئية والنظرات الفردية إلى تصور كلِّي وشامل لوضع الأمة في التاريخ”.

ويضيف أن اليسار الإسلامي عبارة عن ” حركة تاريخيه جماهيرية ثقافيه حضارية اجتماعيه سياسية، ترتكز على ثلاثة أصول أولا: التراث القديم، ثانيا: التراث الغربي، ثالثا: القران الكريم”.

ويشير البعض إلى التأثر الواضح لدى حنفي بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، واعتماده على المنهج الظاهراتي لإدموند هوسرل، ومحاولة تطبيقه في مجال الدراسات الإسلامية.

وهناك تجربة حزبية لا يمكن إهماله وهي تجربة الحزب الاشتراكي الإسلامي بالسودان، والذي ضمن أدبياته عددا من المبادئ التي رأى مؤسسوه أنها تبلور رؤيتهم لليسار الإسلامي ومبررات وجوده كجزء من الحياة السياسية، وهذه المبادئ هي نبذ الطرح الذرائعى والتبريري والاعتذارى والطائفي للدين، وطرحه في إطار صفاته الموضوعية باعتباره حاجة إنسانية يستمد أهميته وفاعليته من فطرة الإنسان ومن شريعته العالمية للبشرية جمعاء، وهذا الطرح يحدد رسالة الأمة العربية، ويخترق الطائفية ويزيل حواجزها، كما يشكل منطلقا لفتح باب الاجتهاد.

ويشير الدكتور عصمت سيف الدولة إلى أن جماعة من المثقفين قد دخلت ساحة الحوار حول الاشتراكية في الدين، وأنها حاولت إرجاع المقولات في الفكر الاشتراكي إلى منطلقات دينيه، فأنشات بدخولها تيار يحمل شعار اشتراكية الإسلام أو الاشتراكية الإسلامية، وهو تيار لم يولد أصلا، بمعنى انه لم يكن اجتهادا في الفكر الإسلامي، ينميه ويضيف إليه ليواجه مشكلات الحياة في هذا العصر، بل كان دفعا للفكر الماركسي ودفاعا ضد منطلقاته المادية، فتحددت طبيعته منذ مولده، فهو ليس اجتهادا مبدعا في النظام الاشتراكي، بل هو حوار معاد في الفلسفة الميتافيزيقية.

وما يزال الجدل مستمر حول الدوافع والمبررات التي حدت بالبعض إلى الدخول في تيه التلفيق بين مشروعين فكريين مختلفين، ربما كان السبيل إلى التوفيق بينهما محفوفا بالمخاطر.