اليسار الإسلامي.. جدل التناقض والتلفيق (3)

تعددت الرؤى الرافضة لليسار الإسلامي من كلا الجانبين العلماني والإسلامي.. ففي حين صنفه العلمانيون كأحد أشكال الإسلام السياسي المتحايل للوصول إلى السلطة بتقديم طرح يغازل أحلام البسطاء في واقع نهشته أنياب الوحش الرأسمالي الذي لا يرحم- ذهب الإسلاميون إلى أن اليسار الإسلامي محاولة إلحادية جديدة لهدم الدين ونقد الغيبيات والإغراق الكامل في الحياة الدنيا وغير ذلك من الاتهامات التي وصلت في بعضها إلى درجة مجانبة الموضوعية والادعاء الذي لا يقوم عليه دليل.

ويحدد الدكتور حسن حنفي تلك الشبهات التي أثارها الجانبان في عدة نقاط أساسية ارتأى تفنيدها على نحو لا يخلو من الحجة والبيان، وهو في معرض ردوده يلمح إلى أن حالة الاستقطاب القائمة التي تحقق النفع لكلا الطرفين بصورة جعلتهما يرفضان أي مشروع للتوسط، ومحاولة تقديم طرح واقعي لا يسقط في هوة العداء للدين، ولا يتردى في مهاوي الماضي السحيق بمحاولات استحضار عبثية.. وهو يرى الإسلام بصورة كلية لا يمين فيه ولا يسار؛ لكنه مفتوح على قراءات متعددة بحسب تعدد الممارسات في العادات والمعاملات، وبحكم تباين القوى داخل المجتمع، فاليسار الإسلامي- من وجهة نظره- يعد تعبيرا واضحا عن مصالح “الفقراء والمحرومين والمساكين والطبقات الدنيا في مقابل إسلام الأغنياء وشركات توظيف الأموال ورجال الأعمال وموائد الرحمن وبيوت الزي الإسلامي.

ففي كل مجتمع هناك يسار ويمين، فقراء وأغنياء، طبقة دنيا وطبقة عليا”. وهو في هذه النقطة تحديدا يكشف بجلاء عن انحياز طبقي واجتماعي طالما تحاشاه الإسلاميون لأسباب عديدة، وهو ما دفع “شهيد بولسين” وهو ناشط أمريكي مسلم يناصر القضايا الإسلامية، ويصب جل اهتمامه على المنطقة العربية، والمتغيرات الطارئة عليها مؤخرا فيما عُرف بثورات الربيع العربي، ويتبنى منهج التحليل الاقتصادي- إلى القول بأنه “على الإسلاميين أن يخففوا من اهتمامهم بالجوانب الأخلاقية لصالح القضايا الاقتصادية وهم إن نجحوا في قضايا محاربة الفقر فقد قدموا أكبر خدمة لشعبهم، وهي الاستقلال من توجيه الخارج”. ويعتبر”بولسين” انغماس الأحزاب الإسلامية في الجوانب الأخلاقية دون تقديم برامج اقتصادية واضحة الانحياز- من أهم أسباب سقوط هذه الأحزاب في تجاربها عقب اندلاع الثورات العربية، ويذهب الناشط الأمريكي إلى أبعد من ذلك عندما يصرح أن الإسلاميين قدموا أجل خدمة للغرب ليمرر مؤامراته عبر أدوات ضغطه في البنك الدولي وصندوق النقد من أجل فرض التقشف على الشعوب المقهورة والإمعان في إذلالها.. وبالتأكيد فإن عدم تركيز منظري اليسار الإسلامي على الجانب الاقتصادي، وانشغالهم عن تقديم برامج اقتصادية واضحة الانحياز قد أضر بالتجربة التي قاربت على إنهاء عقدها الرابع دون كبير مردود على أي صعيد، اللهم إلا مزيدا من الطنطنات حول الأبعاد الفلسفية للمشروع، وهو مما لا يعني الجماهير في قليل أو كثير.

ربما نعزو عدم التركيز على ما هو حيوي وملح في مشروع اليسار الإسلامي إلى أنه طرح يحرص كل الحرص على تلبية جميع الرغبات لدى كافة الأطراف، حتى أنه بدا في أحيان كثيرة كـ “سوبر ماركت” فكري متعدد الطوابق، وليس أدل على ذلك من قول الدكتور حنفي أن مشروعه يقدم “إسلاما مستنيرا لحاجة العصر إلى العقلانية والاستنارة كما عبر عن ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين مثل محمد عبده ومصطفى عبدالرازق وطه حسين، وهو إسلام ليبرالي لحاجة العصر إلى الحرية كما عبر عن ذلك الطهطاوي والعقاد والشرقاوي، وهو إسلام اشتراكي جماعي لحاجة العصر للعدالة الاجتماعية والمساواة كما عبر عن ذلك مصطفى السباعي في سوريا، وهو إسلامي قومي كما هو الحال عند منير شفيق وخلف الله ومحمد عمارة نظرا لمخاطر التجزئة والتفتيت للأقطار بعد أن قضى على الخلافة لصالح القومية في 1923، ثم قضى على القومية لصالح القطرية، ثم قضى على القطرية لصالح الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية والقبلية.

وهو إسلام إنساني كما عبر عن ذلك العقاد وغيره نظرا لخرق حقوق الإنسان في عصرنا وتعذيب المعتقلين السياسيين بالآلاف. وهو إسلام تقدمي كما هو الحال في تونس نظرا لتصنيف الشعوب العربية والإسلامية ضمن الدول المتخلفة أو النامية. وهو إسلام طبيعي يبدأ من العالم والناس نظرا لغلبة العقائدية القطعية والنصية الحرفية مثل أحمد كمال أبو المجد وسليم العوا. وهو إسلام وطني مثل طارق البشري نظرا للهويات الطائفية السائدة الآن وتواري الأوطان. وهو إسلام أممي مثل عادل حسين نظرا لما فعلته الحدود الوطنية من تجزئة وتقسيم ومعارك حدودية ونزاعات بين القبائل على طرفي الحدود على الثروات الطبيعية. وهو إسلام علماني مثل أحزاب الوسط نظرا لسيادة النزعات الدينية المعادية لقيم العقل والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وهي قيم إسلامية أصيلة تجلت في التراث الإسلامي. وهو إسلام عملي حركي مثل بعض الأجنحة المستنيرة في الحركة الإسلامية نظرا لسيادة الخطاب الديني النظري الوعظي الذي يدخل في أذن ويخرج من الأذن الأخرى”.

الحقيقة أن هذا التوصيف الذي يقدمه د. حنفي يعد بمثابة ضربة في مقتل بالنسبة للمشروع، فليس مطلوبا من اليسار الإسلامي كمشروع أن يكون بديلا عن كل هذه الأطروحات التي تجمع من نقاط الخلاف فيما بينها، ما لا يمكن غض الطرف عنه، والرجل وإن كان يحاول جاهدا اثبات أن مشروعه جاء في سياق طبيعي لجملة محاولات على طريق تحرير الإسلام من أغلال الماضي مواكبة لمتطلبات الحاضر، إلا أنه حمّله بتبعات كبيرة لا يستطيع الوفاء بها بحال فكان كـ “المنبت الذي لا أرض قطع ولا ظهرا أبقى”.

ليس من المقبول أن نكون نحن أيضا ضحايا معارك استقطابية “لا ناقة لنا فيها ولا جمل” وليس من المعقول أيضا أن نغض الطرف عن مشروع اليسار الإسلامي لوصفه بالأكذوبة من جانب من هم أكثر تلفيقا ودعائية من منظري المشروع بكثير.. إن ما نحن بحاجة إليه، هو إعادة النظر في المشروع بكامله، مع إظهار جوانب القوة فيه من خلال قراءة واقعية جديدة، مع التعامل بشكل عملي مع ما يمكن الاستفادة منه من رؤى قابلة للتطبيق.. علينا أيضا ألا ننشغل بالمسميات والتصنيف على حساب القيمة والجدوى وإمكانية التطبيق، والقابلية للتطوير وفق المستجدات.. ليس من المقبول أن نتفق جميعا على رجم المشروع برمته، إلا إذا كنا عازمين على أن نصنع من لبناته المتهدمة بناء فكريا آخر يخلو من مثالب سابقه، وإلا فنحن في حاجة إلى مراجعة دوافعنا بشأن هذا المشروع وغيره.