اليسار الإسلامي.. جدل التناقض والتلفيق (2)

يطرح مصطلح اليسار الإسلامي عددا من الإشكاليات تتعلق ابتداء بضرورة العودة إلى التعريف لفض الاشتباك حوله، ثم القبول بالمسمى بوصفه محاولة للمعاصرة والتحديث من خلال فهم جديد للتراث يتلاءم وضروريات الواقع وحاجاته. وكأن الأزمة في قبول الحداثة أنها تتزيا زيا غربيا، ما إن يخلع بخديعة التراث المؤسس؛ حتى تصبح ذات قابلية عالية للتداول لدي الجماهير.. وهذا ما يفسر انحياز “مشروع اليسار الإسلامي وفق رؤية الدكتور حسن حنفي إلى الجماهير.. تحديدا الطبقات الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، مع التنبيه إلى أهمية الوعي الاجتماعي والسياسي للجماهير في العملية الديموقراطية عبر تعبئة جماهير المسلمين للدفاع عن حقوق ومصالح قررها لهم الاسلام” وقد يبدو اليسار الإسلامي في كثير من المواقف، محاولة “ديماجوجية” لدغدغة العواطف الدينية؛ ومن ناحية أخرى يراه البعض كحصان “طروادة” الذي تختبئ داخله الأفكار الماركسية محاولة إيجاد السبيل إلى القبول في واقع مأزوم بمشكلاته، وبتوجسه من الأفكار الوافدة الموصومة بالإلحاد واتهامات الغزو الفكري، وإذا عدنا إلى الماضي سنجد أن مفكرينا الكبار لم يبرحوا مربع التوفيق ودرأ التعارض، ورد الشبهات وتجنب الصدام مع المجتمع وسلطتيه السياسية والدينية المتحالفتين والمناوئتين للتغيير طوال الوقت، والأمر بالنسبة لمفكري اليسار الإسلامي لا يبتعد عن هذا كثيرا.

يذهب الدكتور نصر حامد أبو زيد في إطلالته العامة على اليسار الإسلامي أن بدايات هذا التيار تعود إلى عصر النهضة المتمثل في محاولات الأفغاني ومحمد عبده للتغيير ومحاربة الجمود، والدعوة إلى إعادة النظر فيما استقر من آراء فقهية وصلت إلى درجة المسلمات عند البعض، ويؤكد ذلك أن العدد الوحيد من مجلة اليسار الإسلامي صدر وعلى غلافه صورة الأفغاني، وشعار مجلته “العروة الوثقى”.

ويرى د. أبو زيد أنه من الممكن أن نعزو أسباب إخفاق تيار اليسار الإسلامي، وضعف مردوده التنويري؛ إلى خصائص خطابه التي تتمحور حول ثلاث أسس رئيسة هي: السعي للتوفيق بين رؤى متباينة في الخطاب الإسلامي لم ترصد جوانب الاتفاق والاختلاف فيما بينها على نحو دقيق، التأكيد على هيمنة التراث بتعدد تأويلاته على الواقع، مما اعتبره تجيدا للحاضر في إسار الماضي، وأخيرا تجاهل السياق التاريخي/ الاجتماعي للتراث، ومن ثم التعامل معه كونه بناء شعوريا مثاليا مفارقا للزمان والمكان.. يقول الدكتور نصر في كتابه نقد الخطاب الديني عن ذلك أن تلك الخصائص قد حولت ” هدف “إعادة البناء” إلى إعادة طلاء، وتحول التجديد إلى تجاور بين القديم والجديد، ووقع المشروع كله في التلوين بقدر ما تباعد عن التأويل”.. وحتى لا يتهم أبو زيد بعدم الموضوعية أشار إلى منجز لا يجب إنكاره لليسار الإسلامي يتمثل في المحاولات الجادة لـ ” تأويل العقائد، ولا سيما عقيدة الإلوهية وقضية الوحي وجعل الواقع وسطا بين العقل والنقل ومرجعا لهما” لكنه يعاود الكشف عن تناقض جديد لم يستطع اليسار الإسلامي حل إشكاليته أو تجاوزه يتمثل في النظر للماضي بوصفه ميدانا للزهو وتحقيق الانتصارات مع التأكيد على أن تأسيس العقائد قد اتخذ مفهوما اغترابيا لا يمكن إنكاره!

من جانب آخر حاول تيار اليسار الإسلامي نفي كل اتهام للإسلام بالرجعية من خلال التعرض لموقف الإسلام من ثلاث قضايا رئيسة تمثل درجة قبوله للديمقراطية، وهي الموقف من الأقليات، والشورى، والحاكمية.. وقد ذهب الدكتور حسن حنفي إلى أن الإسلام اعتمد نهج التعايش والقبول مع الأقليات الدينية ونفى نفيا قاطعا وجود التمييز على أساس ديني في الإسلام الذي احترم حرية ممارسة الشعائر الدينية بالنسبة للأقليات، وقد تضمنت التشريعات في الدولة الإسلامية ما يحفظ حقوق الأقليات، كما حذرت السنة المطهرة من التعدي على غير المسلمين، أو انتقاص حقوقهم.

وبخصوص الشورى يرى الباحث وليد عبد الناصر أن د. حنفي أوضح “رأى اليسار الاسلامي فيها كونها الزاما وليس اختيارا، واستنتج من قراءته للقرآن والسنة أن الرأي الذي تتفق عليه الأمة هو بالضرورة الرأي الصحيح. وبالمقابل، اعتبر اليسار الاسلامي أن الاسلام أظهر مرونة بشأن الاطار المؤسس الذي تُمَارَس الشورى من خلاله طالما جاء هذا الاطار بما يحقق صالح الأمة، ولا يتناقض مع مبادئ الاسلام الأساسية، وبما يتناسب مع مستوى التقدم التاريخي والحضاري للمسلمين. ولم يظهر طرح حنفي تباينا واضحا عن التوجه الاسلامي التقليدي عندما رأى أن أهل الحل والعقد هم الذين يمارسون الشورى، الا أنه ركز على أن هؤلاء يتم انتخابهم بواسطة الشعب ويجب أن يخدموا مصالحه ولا تتناقض القوانين التي يصدرونها مع أوامر الله”.

وبالنسبة لمفهوم “أولي الأمر” الوارد في القرآن فقد أكد د. حنفي على ضرورة أن يكون ولاة الأمر، ليسوا مفروضين على الناس بأي وسيلة كانت، واعتبر ذلك مخالفة لمبادئ الإسلام التي تعلي من شأن إرادة الفرد وحقه في اختيار من يمثله تعبيرا عن مصالحه وصونا لحقوقه، أما بخصوص مفهوم الحاكمية، وهو من المفاهيم المثيرة للجدل في صفوف الحركات الاسلامية المعاصرة، فقد حاول اليسار الإسلامي التوفيق بين الرأي القائل بأن الحاكمية لله وحده، وهو ما يعني إقرار مبدأ المساواة بين البشر، والقول بأن الله تعالى قد أوكل تلك الحاكمية إلى خليفته في الأرض وفق ما تقتضيه ضوابط العدل بين الناس بعيدا عن تسلط أية سلطة فردا كانت أو دولة؛ مع التأكيد على أن الإسلام لم يمنح للحاكم وضعا خاصا يتيح له الحصول على ما يريد من الامتيازات دون حسيب ولا رقيب.

ويشير الباحث إلى أن مشروع اليسار الإسلامي قد عبر عن قناعات راديكالية بشأن حاجة الجماهير في البلدان الإسلامية إلى نهج التغيير الاجتماعي الثوري المستمد من “مبادئ إسلامية أصيلة” تدافع عن حقوق الفقراء والمستضعفين في مواجهة طبقة الأغنياء المتسلطة، مع ضرورة العمل على تحول الوعي من الحالة الفردية إلى الجماعية.

إن مشروع اليسار الإسلامي برغم خفوت صوته، وندرة ثماره، وتعثره ودخول المنطقة العربية والعالم الإسلامي في مرحلة جديدة ربما حتمت تجاوزه، إلا أنه سيظل مشروعا إشكاليا متنازعا بين تطلعات أصحابه لخلق رؤية أصيلة تتأسس على التراث، ولا تعادي الفكر الغربي ومنجزه الحضاري، وتساؤلات كثيرة حول جدوى الجمع بين الأضداد، ومحاولات التوفيق بين رؤى ربما لا تكون الضرورة ملحة للتوفيق بينها، بقدر ما تمثله تأزمات الواقع العربي من إلحاح على الحلول القابلة للتطبيق دون حاجة إلى مسميات أو تعريفات تدخلنا في جدال عديم الجدوى.