المملكة في سوريا والعراق.. أفول دور ومحاولة تصليب آخر

لم تكن داعش المجموعة المسلحة الوحيدة التي عملت على إسقاط الدولة السورية والاستيلاء على أراضي سوريا، وشهدت السنوات الست الماضية العشرات من المجموعات الإرهابية، المدعومة والممولة سعوديًّا، كما اعترف وزير الخارجية القطري السابق شريك الدعم والتمويل، فضلاً عن إنفاق سعودي وخليجي هائل، وفق قوله في «بي بي سي» البريطانية، مقابل انشقاقات عن الجيش السوري وجهاز الدولة، وتنسيق مع تركيا، تولّى فيه الخليج دور الكفيل المالي، وتولّت فيه الأولى دور الكفيل اللوجيستي والمنسق الميداني، من خلال غرفة عمليات «موم»، إلى جانب غرفة عمليات «الموك» بالأردن.
في سوريا جاءت الانتصارات المتوالية للجيش خلال العام الحالي على أنقاض الدور السعودي، الذي أرهقته التكلفة المالية الضخمة في مقابل (صفر مكاسب) على مدار أعوام طويلة، وعبّرت تصريحات لمسئولين سعوديين عن حقيقة أن الإنفاق على إسقاط سوريا كان، إلى جانب انخفاض أسعار النفط عام 2015، أبرز أسباب الأزمة المالية التي اضطرت المملكة إلى انتهاج استقطاعات مالية لصالح موازنة الدولة، وبات واضحًا احتياج المملكة إلى إعادة صياغة وتناول عدد من الملفات المفتوحة لغير صالحها، في ظل ضغط آتٍ من الجنوب، حيث اليمن، حين اتضح عجز المملكة عن حسم معركة مباشرة وقريبة جغرافيًّا وذات ميدان مفتوح للمملكة وقواتها العسكرية ونفوذها، وحلف من قوات عسكرية برية لدول أخرى، ألقى بها إلى القتل في شمال اليمن في محاولات للتقدم بريّا.
على جانب آخر نجحت السياسة الروسية والسورية ونهج المصالحات والتحوّل في سياسة تركيا نحو الحرب السورية في تصفية وفرز الفصائل الإرهابية المسلحة، التي ازدادت تناقضاتها البينية بتوالي هزائمها على الأرض في غياب للانسجام والوحدة بينها، وشهدت القطاعات المسيطَر عليها إرهابيًّا اقتتالاً دمويًّا عنيفًا بين الفصائل المدعومة سعوديًّا وتلك المدعومة قطريًّا، في أحيان، وبين فصائل متناثرة صُنِعَت تركيًّا، واستفادت من دعم إدارة أوباما لها بالسلاح، ثم وجدت الإدارة السياسية التركية تنزع عنها الغطاء، بموازاة الاستدارة التركية وقبل تغيّر الإدارة الأمريكية، فضلاً عن تناقص تدريجي للغطاء الدولي والدعم السياسي لها، وانفتاح الأفق أمام باقة من الحلول السياسية، كمفاوضات آستانة وجنيف والمصالحة الوطنية مع الدولة السورية، بالإضافة إلى تراجعها على الأرض أمام ضربات الجيش السوري.
في العراق، وخلال شروع داعش في الانهيار واقتراب محمد بن سلمان، منذ أشهر، من تجميع مقاليد الحكم في يديه، تسعى المملكة إلى فتح قناة تفاهم مع الحكم العراقي، وتحاول إحياء نفوذها المضمحل هناك، والذي دقّت تجربة داعش المسمار الأخير في نعشه، رغم إبقاء أطراف عراقية، سنية وشيعية، على حد سواء، على علاقة وثيقة بالمملكة وأجندتها، تحت عنوان كبح النفوذ الإيراني، وتم استقطاب مقتدى الصدر نحو المملكة، بما معه من كتلة شعبية شيعية، في محاولة لخلق استقطاب سياسي داخلي عابر للمذاهب في العراق، استقطاب يتم بجذب أي طرف مُعادٍ لإيران لسبب طائفي، أو لسبب يتعلق برغبته في محاصصة أفضل لصالح فريقه السياسي، من هنا التقت الكتلتان لمقتدى الصدر وإياد علاوي، مثلاً، على أرضية واحدة سبقت الانفتاح السعودي الجديد على مشهد عراق ما بعد داعش.
على جانب مُوازٍ بادرت المملكة إلى تبادل زيارات المسؤولين في كلا البلدين، وتقديم حزمة مساعدات خلال الأشهر الماضية، من بينها منحة مالية شملت استثمار 4 ملايين هكتار زراعي في وسط وجنوب العراق، ورفع حصة العراق من مقاعد الحج، مع إعادة الخطوط الجوية السعودية للعمل هناك مجددًا، بالإضافة إلى الاتفاق على فتح معبر «عرعر» بين البلدين، بعد إغلاق دام لأكثر من 27 عامًا، وتعيين سفير دائم لها في بغداد.
على أي حال جاءت المواكبة السعودية لانتصار الجيش العراقي والحشد الشعبي على داعش والتقارب تجاه العراق، بشكل لا يتعدى مضمونه، وفقًا لقوة وعقلية آل سعود حاليًّا، الهاجس الإيراني المعتاد، بالإضافة إلى الاستفادة للحظة الأخيرة من كارت «سنّة العراق» الذي سُحب من المملكة إلى حد بعيد، بعد هزة كبرى تعرض لها المجتمع العراقي بسقوط الموصل وشروع الدمار في التهام جميع الأطراف، فكان الرهان الخاسر الثاني للمملكة على أرض العراق، بعد تغذية الإرهاب في نسخته ما قبل الداعشية هناك ودعم ورعاية الانقسام الطائفي، ومثّل تهديد داعش الوجودي فرصة طبيعية له لإعادة تصليب نفسه، مع الانكشاف الذي بات متكررًا لحقيقة أن أمريكا أكبر حلفاء المملكة السعودية، تصنع المشكلة لتحلها بطريقتها، أو لتساهم في حلها بطريقة تفيد مصالحها.