المسكوت عنه في رحلة العائلة المقدسة.. اختصار 64 مزارًا في 5 فقط

ألفان كيلو متر قطعتها العائلة المقدسة، التي ضمت السيدة مريم وابنها عيسى عليه السلام، ويوسف النجار، على أرض مصر هربًا من بطش الملك هيرودس، جابوا خلالها عشرات المناطق بمحافظات الجمهورية، وتركوا بها آثارًا ليتبارك بها الكثيرين فيما بعد، إلا أن الدولة مازالت تتجاهل تلك المزارات التي يزيد عددها عن 60، يحوي كل منها العديد من القصص التاريخية المهمة، واختصرتها الحكومة في 5 مزارات فقط، وأعدت ملفا بها وقدمته إلى منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة “اليونسكو”، ليطول مسلسل التهميش باقي المناطق.

ورغم أن بابا الفاتيكان بارك، خلال قداس عقده في أكتوبر الماضي، رحلة العائلة المقدسة بمصر، وأقرها ضمن مزارات رحلة الحج المسيحي، دون تحديد مكان دون آخر، إلا أن مسؤولي وزارة الآثار بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، أعلنوا منذ 4 أشهر تقريبًا عن تجهيز ملف عن مسار العائلة المقدسة في مصر يضم 5 مواقع أثرية؛ هي عدد من أديرة وادي النطرون بصحراء البحيرة، ودير المحرق في أسيوط وجبل الطير في المنيا، وكنيسة أبوسدة في المغارة بمصر القديمة، وشجرة مريم في المطرية، ما يشير إلى تهميش العديد من المناطق الأخرى التي أقامت في بعضها العائلة المقدسة عشرات الليالي.

وسيطرت حالة من القلق على الكثير من المختصين بالشأن السياحي والأثري من عدم اقتناص مصر للفرصة التي وصفوها بالذهبية، بعدما أدرجت رحلة العائلة المقدسة بمصر في مزارات الحج للمسيحيين، خاصة في ظل ضعف عملية تنشيط السياحة، ورداءة الدعايا الدولية التي تقدمها الوزارة والدولة الخاصة بهذا الشأن، بالإضافة إلى سوء الخدمات بغالبية المناطق والمزارات.

وكشف إسحق الباجوشي، أحد الباحثين بمنطقة دير جبل الطير حول رحلة العائلة المقدسة، عن تجاهل كبير من الدولة لعدة مزارات مهمة للعائلة المقدسة على أرض مصر، إذ تُقدر المزارات بنحو 64 مزارًا تقريبًا، ما بين أديرة وكنائس ومخابئ بالجبل وآبار وأشجار وغيرها، بمسافة قطعتها العائلة قاربت الألفين كيلو متر، إلا أن الدولة لم تدرج سوى 5 مزارات فقط في ملفات المزارات التي اعتمدتها من اليونسكو، ومن بين المناطق التي تناستها الدولة، وعكفت بها العائلة المقدسة أكثر من 40 يومًا، في مدينة الأشمونين بمحافظة المنيا، موضحا أن استمرار التهميش وعدم الكشف عن المناطق الأثرية المهمة يعد كارثة، ويضيع علينا فرص استثمارية هائلة تساهم في دفع عجلة السياحة وتشغيل الشباب.

وأضاف الباجوشي لـ”البديل”، أن هناك أكثر من 50 دراسة بحثية أجريت على رحلة العائلة المقدسة بمصر، وبها أسرار مهمة لا يعلمها الكثيرون، مستنكرًا عدم نشر وزارة السياحة لتلك الدراسات والرسائل البحثية في مواقعها، ومطالبا بلجنة علمية تتولى ملف رحلة العائلة المقدسة والتعامل معه بحرفية شديدة، إذ يكفي لاستقدام أكثر من 5 ملايين سائح للمحافظات على أقل تقدير.

شجرة السيدة العذراء مريم

وأوضح الباحث في القبطيات، أن محافظة المنيا على سبيل المثال، بها ما يقرب من 20 مزارًا للعائلة المقدسة لا يعلم عنها الأهالي شيئا باستثناء اثنين فقط، وهما “دير جبل الطير” بسمالوط و”شجرة البهنسا” ببني مزار التي استظلت بها العائلة، مصيفًا أن هناك كواليس كثيرة يجب أن تهتم بها وزارة السياحة والآثار خلال الإعلان عن تلك الرحلة على أرض مصر وعدم الاكتفاء بالمناطق التي أدرجتها الحكومة واعتمدتها من اليونسكو، حتى لا يترسخ لدى الناس أنها فقط المناطق التي جابتها العائلة المقدسة، خاصة أنه كلما زادت الأماكن كلما زادت الأعداد الوافدة للزيارات، ما ينعكس بالإيجاب على الحالة الاقتصادية للبلاد.

 

وطالب الباجوشي بأن يتم استغلال المزارات المهمة التي جابتها الرحلة المباركة؛ بعمل مراكز للأعمال اليدوية، وإحياء الحرف التراثية التي أوشكت على الاختفاء، ما يعود بالنفع على الشباب من أبناء تلك المناطق ويدفع عجلة التشغيل والتنمية، خاصة أن أبناء الصعيد بارعون في هذه الحرف، لكنهم يحتاجون إلى السوق الجيد لترويج أعمالهم.

 

وفي السياق، قال علاء الغمري، الخبير السياحي وعضو لجنة السياحة الدينية بغرفة الشركات السياحية سابقًا، إن النهوض بالسياحة الدينية، خاصة ما يتعلق برحلة العائلة المقدسة، القادرة على جذب ملايين الزائرين سنويا، أمر يحتاج لإرادة سياسية كبيرة، لكن وزارة السياحة تتجاهل إعداد برامج تنشيطية حقيقية قادرة على جذب السائحين من مختلف دول العالم وتسويق رسالتنا بحرفية شديدة، مستنكرا أن يكون كل ما أعلن عنه بخصوص هذا الشأن من إدراج رحلة العائلة المقدسة ضمن المزارات العالمية هو المؤتمر الذي تم عقده بالفاتيكان فقط.

 

وأعرب الغمري عن استيائه الشديد من التفكك الذي يضرب اتحادات الغرف السياحية، بعد حلها واستمرار عملها بمجالس تسيير الأعمال منذ عام ونصف، وعدم تصديق الوزير على إجراء انتخابات لعودة مجالسها المنتخبة في وقت شديد الأهمية تحتاج فيه السياحة إلى العودة بقوة وأن تتضافر جهود الشركات، متسائلا: لمصلحة من تدار الغرف السياحية والاتحاد الخاص بها بمجالس تسيير أعمال، في هذا الوقت الحرج الذي تمر به البلاد؟

 

من جانبه، قال الدكتور رجب عبد السلام، مدير الآثار القبطية والإسلامية بمنطقة آثار مصر الوسطى، إن هناك أعمالًا كثيرة تتم لتطوير المناطق التي المدرجة للزيارات خاصة في المنيا وأسيوط، تتمثل في عمل الاستراحات وتمهيد الطرق وتوصيل المرافق بشكل كامل بما يليق مع المرحلة المقبلة، مطالبا هيئة تنشيط السياحة ببذل مزيد من الجهد للترويج لعملية السياحة وزيارة مسار العائلة المقدسة بالمحافظات؛ من خلال الدعاية الكبيرة خارجيا، واستهداف السفارات والوزارات والشركات السياحية الكبيرة.

 

وعن حجم الزيارات المتوقعة العام المقبل عقب إدراج رحلة العائلة المقدسة ضمن مزارات الحج للأٌقباط، توقع رجب أن تتجاوز الخمسة ملايين زائر على أقل تقدير، خاصة أنها زيارات لا تقتصر على وقت معين، بل طوال أشهر العام.