الفيلسوف الألماني “هيسه” وآثار الفلسفة العربية على عصر النهضة

تخرج د. “داج نيكولاوس هيسه” في جامعة “جوتنجن” عام1993، متخصصا في اللغة اللاتينية في العصور الوسطى والعصر الحديث، والفلسفة العربية، ثم قضى عام كاملا في جامعة “ييل” قبل أن يلتحق في عام1997، بمعهد “واربورج” لينال درجة الدكتوراه من جامعة “لندن” قبل أن يلتحق بالعمل كأستاذ مساعد بجامعة “فورتسبورج” ثم ينتقل دكتور “هيسه” إلى جامعة “فرايبورج” حتى عام 2005، يعود بعدها إلى “فورتسبورج” ليصب جل اهتمامه على الفلسفة العربية، والعلوم ذات الصلة بها وأثر ذلك على اللغة اللاتينية والفلسفة الأوربية، وفي عام2010، يصبح د. “هيسه” رئيسا لقسم تاريخ الفلسفة بالجامعة، وفي العام 2016، يحصل على جائزة ” غوتفريد ويلهلم ليبنيز” المعروفة باسم “نوبل” ألمانيا والتي تقدر قيمتها المالية بنحو2.5 مليون يورو بعد أن جاء تقرير لجنة الجائزة مؤكدا على أن د. “هيسه” قد وصل إلى بداية مبتكرة في رؤية تاريخية معمقة للنهضة الأوروبية تقوم على منهجية تحليلية طورها “هيسه” يكشف من خلالها عن العلاقات المتشابكة بين الشرق والغرب في القرون الوسطى، وإلى عصر النهضة في الفلسفة واللاهوت والعلوم التطبيقية عند اللاتينيين والعرب واليهود في مجالات الطب والفلك والرياضيات.. وفي العام الحالي اختير “هيسه” لعضوية أكاديمية العلوم البافارية وقيادة مشروع “بطليموس” للدراسات العربية اللاتينية.

لقد استطاع “هيسه” تطوير برمجيات يستطيع من خلالها رد الكثير من التعابير اللغوية الغربية إلى مصادرها الأولى؛ فاكتشف أنها عربية الأصل في أغلبها.

في عام2000، صدر لـ “هيسه” كتاب بعنوان ابن سينا و “دي أنيما” وهو كتاب لأرسطو في الروح ويعتبره البعض أول كتاب في علم النفس- نحو تشكيل فلسفة متحيزة للروح. وعمل آخر باسم(الجيل الأصلي ونظرة عالمية أرسطو- ابن رشد- باستور) في2006، وورقة مقدمة في مؤتمر “باليرمو” الثاني عشر للفلسفة بعنوان (الرشدية اللاتينية في ترجمات النصف الأول من القرن الثالث عشر) ثم كتابه الأهم “النجاح والجحود: الفلسفة العربية وعلومها في عصر النهضة” الذي أنصف فيه الثقافة العربية ورد على كثير من المقولات التي انتقصت من قدرها، وأضعفت من تأثيرها على الثقافة الأوروبية في القرون الوسطى، ويؤكد “هيسه” على أن الثقافة العربية لم تعتمد النقل عن الثقافة الإغريقية والرومانية بل كانت رافدا صافيا مساويا لهما في القيمة والمرتبة في علوم كالطب والفلسفة والفلك، وقد كان شائعا في القرون ما بين الثالث عشر والسادس عشر أن تجد الطلاب الأوروبيين في تلك المجالات يقرأون كتبا عربية مترجمة إلى اللاتينية، كما يشير “هيسه” إلى أن المصادر الأوروبية القديمة في الآداب والأخلاقيات والدين ظلت مؤثرة بانفراد دون منافسة عربية تذكر.

البروفسير “هيسه” مع طلابه في قسم تاريخ الفلسفة بجامعة “فورتسبورج”

لا يستنكف “هيسه” الإعلان عن أن الغرب قام وهو في كامل وعيه بعملية استيلاء واضحة على الفكر العربي، ناهيك عن التأثيرات غير الواعية التي تركت ظلالها على كثير من المجالات العالمية في أوروبا خاصة الطب الذي لم يكن من المهم لدارسيه معرفة مصادره التي كانت في أغلبها عربية.

يشعر “هيسه” بامتنان كبير نحو الثقافة العربية التي فتحت لديه باب الأمل في إيجاد حقول جديدة غير معالجة في الدراسات المتعلقة بأرسطو وأفلاطون، وكان قد حاول اكتشافهما في سني دراسته الأولى بالجامعة، وصدم بنتيجة أنهما دُرسا تماما واكتملا بحثا وليس ثمة جديد يضاف؛ لكن “اسم الوردة” لـ “أمبيرتو إيكو” وهو الكتاب الذي حقق أعلى المبيعات في الثمانينات، وفيه ألمح “إيكو” إلى الزوايا العربية في المكتبة فيما يتعلق بالدراسات القروسطية.. قد نبهه إلى طريق جديد.. يقول “هيسه” أنه قرر بعد ذلك العودة لأرسطو وأفلاطون لكن من خلال المخطوطات العربية التي لم ينظر إليها بعين الباحث من قبل.

يرى “هيسه” أن التأثير العربي في الثقافة الأوروبية خلال القرون من الثالث عشر إلى السادس عشر لا يجب أن يكون محل إنكار من أحد؛ لأن ما يجب التركيز عليه هو البحث العلمي في هذه الآثار في مجالات لم تحظ إلى الآن بالاهتمام الكافي كـ “…المنطق وعلم الحيوان، والميتافيزيقا، والكيمياء، والسحر، وعلم الفلك”.

وفي الوقت الذي تنتشر فيه في عديد من الأوساط في ألمانيا دعاوى التحذير من ” أسلمة” الغرب يرى “هيسه” أن معرفة الواقع المشترك بين الشرق والغرب هو الأولى بالاهتمام؛ لأن الثقافة العربية حاضرة في كثير من كلمات اللغة الألمانية، وأسماء بعض العلوم كالجبر، وأسماء النجوم أيضا، كما أن الأديان الإبراهيمية أتت من الشرق الاوسط.. ويضيف “إن الشرق هو جزء من ماضي ألمانيا، وما يحمله هذا الماضي من خصوصية يمثل جزءا من وجودنا اليوم”.

دكتور “هيسه” في مكتبته المنزلية الضخمة

ينظر “هيسه” إلى مقولة أن الصيغة الأوروبية الحالية هي مزيج من العقل اليوناني والمسيحية بدهشة، ويذهب إلى أنها مقولة تخل بكثير من الحقائق، أو أنها قيلت بحسن ظن ناجم عن تقصير شديد في تلمس أسباب المعرفة؛ لأن التأثير المتبادل بين الثقافات المختلفة أمر لا يمكن إنكاره، كما لا يحبذ المبالغة فيه، وهو ما ألمح إليه في رده على سؤال يتعلق بتبني أطروحات تعمق الوعي الغربي بخصوص المؤثرات العربية في الفكر الأوروبي، ودور ذلك في التخفيف من حدة فوبيا الإسلام الصاعدة في الغرب اليوم؟ فيقول إن كثيرا من الكتب الجامعية في أوروبا تتضمن اليوم فصولا عن مساھمة العلوم العربية وفلسفاتھا في التاريخ الأوروبي؛ مما سيثري جدالات علمية ستكشف العديد من الحقائق حول ما يسمى بـ “الإسلاموفوبيا” وبالتدريج سيصل الداعون إليه إلى أن قضيتهم خاسرة.. ويؤكد “هيسه” على ضرورة التزام الصرامة العلمية في هذا الشأن وعدم المبالغة في إنجازات العلماء العرب، خاصة أن كثيرا منھم كانوا يھودا ومسيحيين، وبعضهم كان ذا أصول فارسية أو تركية.

لندع انحيازاتنا جانبا فهي لا تمثل من الناحية العلمية سوى أثقال وعوائق تحول بيننا والوصول إلى الحقائق، ومهما كانت المغريات فإن الظفر بالاتزان والموضوعية في تناولنا للدراسات الفلسفية والتاريخية أكثر نفعا؛ لأنه بمثابة إنقاذ للماضي من الغرق في بحر من الإجحاف أو المبالغة.. ويا ليت لنا بعض إنصاف “هيسه”.