الفن خبرة

يعتبر الفيلسوف الأمريكى جون ديوى (1859- 1952) أحد عمالقة الفكر الحديث، وقد أحاط فى كتبه العديدة بشتى معالم الحياة الثقافية فى القرن العشرين. ولعل الطابع الرئيسى الذى يميز مؤلفات جون ديوى جميعها، هو محاولته أن يمحو الفجوات الموجودة فى الفكر الحديث والتى تقسم الحقيقة الواحدة قسمين بحيث تحيلها إلى ثنائية تولد أنواعا من الصراع تضر ولا تنفع.

 

يكفى أن ننظر إلى ما كان يتصارع عليه المفكرون فى العصر الحديث لنرى هذه الثنائية، فصراع عنيف بين أنصار المادة وأنصار الروح، بين الفكر والعمل، بين الفرد والمجتمع، إلخ، حتى قد نتصور أن هذه هى طبيعة الأمور، وأنه لم يمر على الفكر الإنسانى مرحلة خلت من مثل هذه الثنائيات، مع أن العصر الحديث وحده هو الذى أصيب بهذا التصدع – فى نظر ديوى – وأن العصور السابقة عليه قد نعمت بشىء من الوحدة والتجانس، كان من شأنه أن يشعر الإنسان بالروابط الوثيقة العميقة التى تربطه بالناس وبالطبيعة على السواء، على خلاف إنسان هذا العصر فى شعوره بالانفراد والغربة، حتى لكأن الناس من جنس غير جنسه، ولكأن الطبيعة وسط ليست بوسطه.

 

ويقاوم جون ديوى هذه الانقسامات المصطنعة فى حياة الإنسان، فتراه فى ميدان التربية – مثلا – يصول صولة الغاضب الناقم على الأوضاع في عصره، داعيا إلى أن يكون مدار التربية كلها هو شخص التلميذ نفسه، لا المادة المدروسة كما كانت الحال من قبل، فعلى نشاط التلميذ واهتماماته الطبيعية نقيم العملية التربوية حتى لا يشعر المتعلم أن مواد الدراسة شىء لا شأن له به، وإنما أقحمت عليه اقحاما، وأرغم هو عليها إرغاما، وبهذا تنمو شخصية الناشئ من الداخل نمو الكائن الحى السليم. وكذلك فى مجال المنطق ترى ديوى يصول مرة أخرى صولة الغاضب الناقم على الانقسام التقليدى بين الصوري والمادى، أعنى الانقسام بين ما هو فكر نظرى خالص من جهة وبين التطبيق العملى من جهة أخرى، فها هنا أيضا يحاول فيلسوفنا أن يبين أن الفجوة بين الطرفين مصطنعة لا أساس لها من طبائع الأمور، وأن الفكرة لا تستحق أن تسمى باسمها هذا، ما لم تكن بمثابة خطة للعمل، إذن فالفكر النظرى والتطبيقى العملى طرفان من شوط واحد.

 

وفى كتابه “الفن خبرة”، الذى كتبه فى عام 1934 ليحاول به أن يفسر الفن تفسيرا يتفق مع فلسفته الخاصة تلك، نرى جون ديوى مرة أخرى يصول فى ميدان الفنون صولة الغاضب الناقم على الأوضاع القائمة، التى يراد لنا فيها أن نفصل بين الفن من جهة وبين مجرى الحياة الواقعة من جهة أخرى، إلى الحد الذى قد حمل رجال الفن أنفسهم على أن ينظروا إلى النشاط الفنى وكأنه فاعلية تخص صاحبها وحده، سواء صادف القبول عند الجمهور أو لم يصادف، إذ الفنان – فى نظرهم – متفرد متوحد بطبيعة ميوله وبحكم كونه فنانا، ومن هنا نشأت مدارس كثيرة تجعل العمل الفنى تعبيرا عن ذات الفنان وحده. ومن هنا أيضا نشأ الانقسام بين الفنون الجميلة والفنون التطبيقية. ويقول ديوى إن طبائع الأمور ليست على هذا النحو، فالفنان فى الماضى كان مشغولا باهتمامات الناس، ينتج الفن الذى يؤدى مهمة حيوية فى حياتهم. فكان الفنان والناس وحدة واحدة، ويعيشون خبرة واحدة، واستمر الحال هكذا عبر العصور.

ويحلل ديوى الخبرة التى يمارسها الإنسان، والتى هى من صميم الحياة الفنية، فيقول إن الخبرة محال أن تتم دورتها داخل كيان الفرد الواحد منعزلا عما حوله، بل هى تفاعل بينه وبين بيئته، والبيئة ذات جانبين: بيئة اجتماعية قوامها التقاليد والنظم الاجتماعية، وبيئة طبيعية قوامها المعالم المادية التى يعيش الإنسان فى محيطها، على أن العلاقة بين الإنسان وبيئته لا تنتج خبرة، وبالتالى لا تنتج فنا، إلا إذا كان بينه وبينها ما يشبه الصراع الذى ينتهى بأن يحقق الإنسان ما يبتغى، فلو كانت البيئة طيعة إلى الحد الذي يجد فيه الإنسان كل رغباته محققة بغير عناء، أو لو كانت البيئة عصية بحيث يستحيل على الإنسان أن يحقق لنفسه فيها رغبة، لما أنتج الإنسان شيئا. إذن فالحالة المثلى هى التى تقع بين هذين الطرفين، توتر يدفع إلى النشاط، ثم تحقيق للغاية المنشودة فيزول التوتر، وبعدئذ توتر جديد وإشباع جديد وهكذا.

 

تلك هى الخبرات التى من تسلسلها تنشأ الحياة وتنمو، على أن الإنسان فى كل خبرة جديدة يجد نفسه أمام موقف معقد يريد أن يحل ما فيه من تعقيد، فتراه عندئذ يسترشد بخبراته السابقة ليصل إلى الحل المطلوب، لكنه لو اكتفى فى الحل بالخبرات السابقة وحدها كان العمل اعتياديا، أما إذا اهتدى بالخبرات السابقة اهتداء لا يغنيه عن القيام بتصرف جديد، فها هنا تكون الخبرة جديدة، وهى الخبرة التى يجوز لنا وصفها بأنها خبرة ذات طابع جمالي.

 

ولكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا لا نكون جميعا من رجال الفن؟ إذ ما من أحد إلا ويقف هذه الوقفات من حين إلى آخر. والجواب عن هذا السؤال يحدد أدق خصائص العمل الفنى، فالذى ينقص معظم الناس لكى يكونوا من مبدعى الفنون، ليس هو الانفعال الفطرى، وليس هو المهارة فى أداء الفعل، فذلك فى وسع الكثيرين، لكنه القدرة على تحوير الانفعال تحويرا يسلكه فى إحدى الوسائط الخاصة، كاللفظ إن كان الفن أدبا، أو اللون إن كان الفن تصويرا، أو الحجر إن كان الفن نحتا.

 

إن الوسيلة الوحيدة التى تعالج التصدع فى حياتنا الثقافية كلها هى أن نقف من أمورنا وقفة جمالية بالمعنى الذى أراده جون ديوى، وهو أن تكون وسائطنا الموصلة إلى غاياتنا نابعة من باطن ذواتنا من جهة، وأن تكون هى نفسها العناصر التى تتألف منها الغاية المتحققة من جهة أخرى، وأما إذا كانت وسائطنا المختارة خارجية عنا وليست مقصورة لذاتها كأنما هى جزء من الهدف المنشود، فعندئذ يكون التصدع فى الحياة. قارن بين عامل يعمل لا للذة العمل، بل ابتغاء الأجر فحسب، بعامل آخر يجد النشوة فى عمله – كالفنان – لأنه جزء منه ومتصل بخبرته الداخلية اتصالا حميما.

 

هذا هو المعيار الذى نقيس به الحياة السليمة، أن تكون الوسيلة المنتقاة جزءا من الغاية المنشودة، كما يكون اللون الذى يختاره المصور وسيلة لبناء الصورة، وهو نفسه الصورة، فإذا تحققت لنا حياة هذه وسائطها وغاياتها كانت هى الحياة التى لا غربة فيها عن طبائعنا الأصيلة، وبالتالى فلا قلق ولا تصنع ولا افتعال، بل حياة يجد فيها الإنسان نفسه وجودا كاملا متسقا مع الكل الذى يحتويه، وإنها لحياة يتحد فيها الإنسان مع نفسه أولا، ومع أفراد أمته فى مجتمع واحد ثانيا، ومع سائر أفراد البشر فى عالم واحد ثالثا.