الشباب.. ما بعد الثورة

ترك الحراك الثوري أثارا نفسية هائلة على الشباب في مصر، فلقد لجأ الشباب المصري للنضال والتظاهر طيلة الفترة من 2011 وحتى 2014، للمطالبة بتحقيق الكرامة الإنسانية، وتأسيس نظاما اجتماعيا واقتصاديا أكثر عدالة، وأدى فشل هذا الحراك إلى كُلفة نفسية هائلة على مشاعر أغلب الشباب، لاسيما مع تعرض بعضهم للإهانة والإذلال، علاوة على الأزمات الاقتصادية وتزايد الرفض الاجتماعي لهم.

في هذا السياق، أجرت الباحثة فيفيان ماتيوس بون أستاذة العلاقات الدولية في جامعة أمستردام دراسة في عام 2014 تم نُشرها علميا في فبراير 2017 في دورية دراسات شمال أفريقيا*، وهدفت الدراسة إلى تحليل آثار فشل الثورة على نفسية الشباب في مصر، وركزت في بحثها على البعد الإنساني عن غيره من العوامل، بُغية تحديد انعكاس الأزمة النفسية على مستوى المشاركة السياسية للشباب، وكذلك علاقاتهم الاجتماعية، والحالة العاطفية أو الشعورية لهم.

اعتمدت الباحثة على مقابلاتها الشخصية مع 40 ناشط شاب (25 ذكر و15 أنثى) تراوحت أعمارهم بين 18 و35 عام، تنوعوا بين النشاط الميداني والإلكتروني، والانتماء للتيارات الليبرالية والاشتراكية والإسلامية (إخوان وسلفيين) وكذلك مؤيدين المجلس العسكري، وتم إجراء المقابلات في الفترة من أكتوبر 2013 حتى فبراير 2014، وهي الفترة التي تلت الإطاحة بمحمد مرسي وارتفاع مستوى الاستقطاب السياسي.

بحسب الباحثة، سبق وأن تم إلقاء القبض على 12 منهم، وتعرض 11 لإصابات مباشرة، كما تم اعتقال 7 وتعرضوا للضرب والإيذاء الجنسي والموت القريب، كما أن لدى 12 شخص منهم أصدقاء وأفراد من عائلته قد توفوا أو أصيبوا أو احتجزوا أو تم تعذيبهم خلال فترة الثورة.

تقول الباحثة أنها لاحظت ظهور علامات اضطراب ما بعد الصدمة على الشباب، ووفق العلوم النفسية فإن الشخص الذي يتعرض للصدمة قد يعجز في بعض الأوقات عن التعبير عن نفسه بدقه، ويظهر عليه علامات مثل الصمت أو تغيير نبرة الصوت وفقدان التحكم العاطفي وتغيير لغة الجسد، وتوصلت الباحثة إلى تسبب فترة الثورة في حدوث صدمات نفسية عميقة على المستوى الفردي والاجتماعي، وخلفت أثرا مدمرا على عوالم الأفراد وتصوراتهم حول العالم وحول أنفسهم، كما يحدث لأغلبهم آليات المعالجة النفسية التلقائية مثل الكوابيس والتبلد الشعوري، بجانب تعاطي المخدرات، وتعمقت الآثار السلبية في ظل غياب آليات إعادة إدماجهم في المجتمع، ما جعلهم ينغلقون على أنفسهم وعلى القريبين من حالتهم النفسية.

انقسمت الدراسة المتميزة إلى عدة محاور، تناول المحور الأول الإطار النظري للصدمة النفسية Trauma، ورأت أنها ظاهرة متداخلة بين الفرد والمجتمع المحيط، لأنها تتعلق بالقلق الوجودي لدى الأفراد، واستغراقهم في لا جدوى وجودهم أو دورهم حيال المجتمع، ووفق هذه النظرية فإن شفاء الأفراد الذين يعانون مثل هذه الحالة يتوقف على السياق الاجتماعي، كما أن له آثارا واضحة على التفكك الاجتماعي، يصل إلى الاضطراب الاجتماعي الشامل، ولا تقتصر هذه الانعكاسات على المجال الخاص للأفراد، بل تمتد إلى الوضع السياسي أيضا.

وقد تعني الصدمة مواجهة الموت الفعلي أو التعرض لإصابة خطيرة أو لانتهاك جنسي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتأتي أعراض ما بعد الصدمة في شكل الكوابيس وتجنب الأفكار والأماكن المتعلقة بالصدمة، والمزاجية السيئة بما في ذلك الاكتئاب وانهيار الثقة بالنفس وبالآخرين، والشعور بالذنب والإحباط والعار، والاستياء من الفرد ومن العالم المحيط.

تنطلق الباحثة من لحظة الثورة، وتقوم بوصفها على أنها كانت لحظة أمل للشباب في إمكانية تحسين مصر، وشعر بعضهم إنه “إنسان حقيقي” للمرة الأولى، وتمنوا أن تؤدي الثورة إلى مصر بلا فقراء ولا إهانة من قبل قوات الشرطة بعد نجاحهم في الإطاحة بمبارك، أإنهم عاشوا لحظات السعادة الحقيقية خلال فترة الـ 18 يوما في ميدان التحرير.

وخصصت الباحثة المحور الثاني من بحثها لدراسة آثار التعذيب البدني على نفسية الشباب، وعرضت بعض الشهادات الصادمة والمؤلمة من ضحايا التعذيب خلال فترة الثورة، وسنعرض هنا أقل هذه الشهادات وطأة، ويقول فيها أحد الشباب الذي تعرض للتعذيب إبان أحداث محمد محمود:” لم أعد نفس الشخص الذي كنت عليه في عام 2010، حتى مظهري الخارجي قد تغيّر، الجميع يسألني أين ذهبت البهجة مني؟ أشعر أنني أطلق الطاقة السلبية على جميع من حولي، لقد تغيرت داخليا وخارجيا، لم أعد أفكر بنفس الطريقة، حتى إنني تركت عائلتي لعدم استطاعتي العيش مع أي شخص بعد الحادث.. كما فقدت العديد من أصدقائي نتيجة لهذا”!.

وجاء المحور الثاني ليتعرّض لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى الشباب، وتنوعت هذه الأعراض بين تكرار الكوابيس العنيفة، مثل رؤية من يطلق النيران عليهم أو خيانتهم من قبل الأصدقاء والأقارب، أو فقدان بعض أجزاء جسمهم، كما ذكر أغلب الشباب إنهم يعانون من التبلد الشعوري وعدم الاكتراث، ويقول أحدهم: “مشكلتي الآن هي إنني لم أعد أشعر بشيء، حتى لا أهاب الموت، ولا أخاف من فقدان أي شخص، لم أعد أهتم بشيء أو بأمر أحدا من حولي، هذا الشعور جديدا تماما بالنسبة لي”.

تستنتج الباحثة من هذا المحور أن آليات الدفاع الذاتي لم تعد ملائمة وحدها لعلاج الشباب، ويستلزم الأمر إيجاد آلية اجتماعية مستدامة لإعادة إدماج هؤلاء الشباب في المجتمع.

أما المحور التالي للدراسة فقد خصصته الباحثة لتحليل الصدمة الاجتماعية لدى الشباب المصري بعد الثورة، وافتقارهم لمساحة من التوافق مع أغلب أفراد المجتمع، وترى الباحثة أن الصدمة الفردية قد تحولت إلى صدمة اجتماعية مع تكرار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، حيث أدت آليات الدفاع النفسية إلى صعوبة في تأقلم الأفراد مع بقية المجتمع، ما أثر سلبيا على العلاقات بين الأشخاص داخل المجتمع الواحد، وهكذا استحوذت الصدمة على المجال العام أيضا.

اشتكي أغلب الشباب من غياب التعاطف معهم من جانب أفراد أسرتهم، وبالتحديد من لديهم أراء سياسية مخالفة لهم، كما ذكروا أن أغلب هذه النقاشات قد أفضت إلى إهانات لفظية أو بدنية في بعض الأحيان، ما أدى إلى فشلهم في تقاسم المشاعر مع الأهل والأًصدقاء، والملفت أن نفس الشباب قد أشاروا إلى أنهم أيضا لا يرغبون في سماع وجهات النظر السياسية المختلفة عنهم ، وهنا تتضح الفجوة الاجتماعية التي نحن بصدد الحديث عنها، وتذكر الباحثة أن هذه الأزمة تتضاعف آثارها في ظل عدم وجود مراكز متخصصة في التأهيل النفسي بمصر، وأشارت إلى مركز النديم، والذي تعرض للغلق عدة مرات خلال الأعوام الأخيرة من قبل السلطات.

بينما تناول المحور الثالث من الدراسة العلاقة بين فشل الثورة وتزايد الأعباء النفسية على الشباب، وتلاحظ الباحثة أنه بالرغم من افتراض تَحسّن الحالة النفسية للشباب عند مقارنة حالتهم بالحالات الأكثر مأساوية، إلا أن الأمر في مصر لا يسير على هذا النحو، فلقد أدى ذلك إلى شعورهم بأعباء إضافية ومسئولية عن استكمال مسار الثورة، ويقول أحدهم: “في أكثر اللحظات قتامة، أتذكر أننا لم نحقق شيئا، و الآن أغلب الناس لم يعدوا يأملون في تغيير الأوضاع للأفضل؛ فأتذكر أن هناك من دفع الثمن بالفعل، هناك من دفع حياته أو عينه ثمنا للتغيير، لذا يجب عليّ أن استمر في الحراك وفاء لمن دفعوا الثمن”.

بينما يتسبب هذا الشعور في اكتئاب الشباب الأكثر خبرة، الذي يرون أن ليس هناك أملا ما في إحداث التغيير، لاسيما مع غياب أي نجاحات سياسية على أرض الواقع، ويقول أحدهم: “ليس هنالك جدوى من الدماء التي بُذلَت، الناس حتى لا تتذكر أسماء الضحايا، لم يتغير شيئا، لازالت المرتبات متدنية بينما تكلفة المعيشة ترتفع، كل شيء أصبح أكثر كلفة، وتزداد معاناة الناس، لذا ليس هناك أملا ما من النضال، وكل الدماء التي بُذلَت قد ذهبت هباءا”. وتختتم الباحثة هذا المحور بالقول بأن مشاعر الإحباط والعدوان تسيطر على الحياة اليومية في القاهرة، ما ينذر بتزايد الانفجارات الفردية والاجتماعية، وهو ما يقوض من مسألة إعادة الإدماج إلى حد كبير.
أما المحور الأخير من الدراسة تناولت فيه الباحثة العلاقة بين الابتعاد عن السياسة وتعميق الصدمة النفسية لدى لشباب، وتُحلل خلاله التكلفة الفردية التي تحملها الشباب جراء ممارسة السياسة، وأن أغلبهم قد فشل في الحصول على معني جديدا لحياته بعيدا عن غمار العمل السياسي، رغم أن منهم من حاول استكمال دراسته أو الزواج، والتركيز على بعض النجاحات الفردية الصغيرة عوضا عن ذلك، وترى أن تزايد التفكير في الذات وغياب التفكير في المجتمع هو أحد انعكاسات الصدمة النفسية لديهم، وشعورهم بالاغتراب.

الأكثر أن بعض أفراد العينة البحثية قاموا بإلقاء اللوم على جيل آباءهم، بسبب صمتهم طيلة فترة حُكم مبارك، ويقول أحد الشباب: السبب هو جيل والدي، ظل هذا الجيل صامتا لمدة 30 عاما تحت حكم مبارك، هذا الجيل هو من جعلنا نقع ولم يدعمنا بشيء؛ لا أعتقد أن هذا البلد ينتظره أي أمل على أي حال”.

وعن احتمالية العودة لممارسة السياسة في المستقبل، لم تجد الباحثة إجابة واضحة لدى الشباب، فمنهم من لا يدري، ومنهم من يأمل ذلك في حال تحسن الأوضاع، ومنهم من يرفض المغامرة بحياته من أجل ” لعبة السياسة”، وأيضا هناك من يفكر في الهجرة. وتختتم الباحثة دراستها المتميزة بالتساؤل عن مدى احتمالية أن تقود الصدمة النفسية للجيل الحالي من الشباب إلى تكرار صمت جيل أباءهم في السنوات القادمة، لاسيما مع غياب آليات التأقلم الاجتماعي، ما يؤدي في النهاية إلى الانسحاب من المجال السياسي العام، وما لذلك من آثار سلبية على مستقبل الأوضاع في مصر.
أخيراٌ، هل التفت أحد من مسئولي ملف الشباب في مصر لمثل هذه الظاهرة؟ لا أعتقد!

* نص الدراسة متوفر على الرابط التالي: اضغط هنا