الشباب.. رهينة الواقع المرير

قاربت المدة الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي على الانقضاء، حاملة معها وعود تمكين الشباب إلى غير رجعة، بعدما تبخرت أحلام الملايين في واقع أفضل بعد ثورتين، لكن الأحوال تسير من سيئ لأسوأ؛ حيث الاعتقال والاختفاء القسري وقمع الحريات وضيق ذات الحال، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن مخرج بمحاولات هجرة غير شرعية قادتهم إلى كوارث الغرق ومآسي التيه في الصحراء.

طالما ردد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، على مدار الثلاثة أعوام الماضية على أهمية دور الشباب وضرورة الاستعانة بهم وتأهيلهم لتولي القيادة، فعقد الرئيس عدة مؤتمرات للشباب، أحدثهم المنعقد حاليا بمدينة شرم الشيخ خلال الفترة من الرابع حتى العاشر من نوفمبر الجاري، تحت عنوان منتدى شباب العالم؛ لمناقشة العديد من المحاور المهمة التي تناقش قضايا تهم الشباب حول العالم؛ من بينها محور قضايا شبابية عالمية وتتضمن مناقشة قضايا الإرهاب والتغيرات المناخية والهجرة غير المنتظمة واللاجئين، ومحور التنمية المستدامة والتكنولوجيا وريادة الأعمال، ومحور الحضارات والثقافات، ومحور صناعة قادة المستقبل.

ويأتي الواقع مغاير تماما، فعلى سبيل المثال، خرج مؤتمر أكتوبر 2016 بتوصية من الرئيس بتعديل قانون التظاهرات بعد مطالبات عدة من منظمات حقوقية وسياسيين، ووجه السيسي الحكومة بتشكيل لجنة لدراسة المقترحات المتعلقة بتعديل القانون، وبعد شهرين من تشكيل اللجنة، تقدمت الحكومة بالقانون المعدل ووافقت عليه اللجنة التشريعية بالبرلمان، رغم اعتراض بعض النواب لعدم مناقشة باقي الاقتراحات، ما يؤكد أن التعديلات تسير على هوى الحكومة فقط.

خارج دائرة اتخاذ القرار

وأكد السيسي، في أكثر من حديث له، على تمكين الشباب من القيادة، وأصدر قرارا بتنفيذ برنامج رئاسي لتأهيل الشباب، فمن مصلحة مصر أو أي دولة، النظر لشبابها، والإرادة السياسية لديها ثقة كبيرة بالشباب، وتجربة مصر كان أمامها تحدي كبير بالوصول للشباب من أجل التحاور معهم.

وخلال اليومين الماضيين، أعلن السيسي، في منتدي شباب العالم عن برنامج موازٍ للبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، وهو مستوى آخر يعتمد على تأهيل 200 شاب مصري لتولي مناصب قيادية في الدولة، وأوضح أن البرنامج يعتمد على اختيار مجموعة شباب مستواهم العلمي والخبرة لديهم أكثر من البرنامج الرئاسي الحالي، ويتم إتاحة الفرصة لهم بالدراسات والتأهيل خارج مصر على أساس أنهم سيكونون نواة، لكننا لم نجد حتى اليوم، للشباب مكانا في دائرة اتخاذ القرار السياسي.

حملات اعتقال.. والإفراج بحدود

بين الحين والآخر، يتم القبض على بعض الشباب من النشطاء السياسيين، وتخرج حملات مطالبة بالإفراج عنهم وبعض شباب الثورة، مثل أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وغيرهما، من الذين لم يشملهم العفو من قبل اللجنة التي قرر الرئيس في مؤتمر أكتوبر 2016 تشكيلها على أن تكون وطنية من الشباب وبإشراف مباشر من الرئاسة، تتولى فحص شامل ومراجعة موقف الشباب المحبوسين على ذمة قضايا ولم تصدر بحقهم أية أحكام قضائية بالتنسيق مع الأجهزة من الدولة، بحسب كل حالة وفي حدود الصلاحيات المخولة دستوريا وقانونيا لرئيس الجمهورية.

وقدمت اللجنة منذ تشكيلها 3 قوائم، تم الإفراج عنهم وتواصل اللجنة بحثها ملفات الشباب المحبوسين، لإصدار قائمة رابعة جديدة، وعرضها علي الرئيس للتصديق عليها وإصدارها قبل نهاية نوفمبر الجاري، وأعلن السيسي في منتدي شباب العالم الحالي، أنه سيتم تشكيل لجنة من الشباب لمراجعة الأحكام الخاصة بالشباب المحبوسين، وأنه سوف يدرس نتيجة دراستهم للأحكام حسب صلاحياته.

البطالة وكوارث الهجرة غير الشرعية

وفي السياق، أكد الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، أن عدد الشباب فى الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة بلغ 21.7 مليون نسمة بنسبة 23.6% من إجمالي السكان، وفقا لتقديرات السكان عام 2017، موضحا أن نسبة إسهام الشباب فى قوة العمل تبلغ 48.5% وذكر بيان لجهاز الإحصاء، أن معدل البطالة بين الشباب بلغت 26.7%، رغم تراجع معدل البطالة في البلاد إلى 11.98% في الربع الثاني من العام الجاري، مقابل 12.5% قبل عام.

كما تعد البطالة أحد أسباب ظهور الهجرة غير الشرعية وكوارث التيه في الصحراء، حيث أصدر مكتب منظمة الأمم المتحدة للهجرة في مصر، تقريرا شاملا يتضمن أرقاما من الحكومة الإيطالية، حول أحدث موجات الهجرة غير النظامية للمصريين خلال عام 2016، وكشف تقرير صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية، أن أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين إلى بلادها وصل إلى 4 آلاف و230 شخصا، من بينهم ألفين و467 طفلا، مقارنة بألفين و610 مهاجرين في 2015.

ووفقا لمنظمة الأمم المتحدة للهجرة، لقى 5 آلاف و83 مهاجرا حتفهم فى البحر المتوسط خلال عام 2016 بزيادة معدلها 55% عن العام السابق، ليصبح العام الأكثر دموية على الإطلاق، ففي سبتمبر 2016، حدثت كارثة، حيث استقبلت شواطئ البحر المتوسط كعادتها، فاجعة غرق مركب للهجرة غير الشرعية، على متنه أكثر من 300 فرد، وتمكن رجال البحرية وحرس الحدود من انتشال 29 جثة، من ضحايا القارب الغارق، وتم إنقاذ 150 فردا.

وكان للصحراء نصيب من اغتيال الشباب الذي يبحث عن مخرج من الأوضاع المأساوية في البلد، فتم العثور على جثث العشرات في الصحراء الغربية التي التهمتهم قبل الوصول إلى الأراضي الليبية، لتتحطم أحلام مئات الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل في الحصول على شقة للزواج أو غيرها من الأحلام الوردية التي يسمعون عنها ممن سافروا قبلهم إلى هناك، فلا يصلون إلى المكان المحدد، لكن يكتشفون أنهم وقعوا فى براثن عصابات التهريب والاتجار بالبشر، أو فريسة لجماعات إرهابية.

أرض خصبة للتنظيمات الإرهابية                   

وتأتي البطالة والواقع السيئ ضمن أحد المخاطر التي تهدد الشباب وتدفع التنظيمات الإرهابية إلى استقطابهم مقابل مبالغ مالية لتنفيذ عمليات إرهابية، وهو ما حدث مؤخرا في تفجير الكنائس، حيث أكدت تحريات الأمن في عملية تفجير كنيسة مارجرجس بطنطا، أن أحد أفراد الخلايا الإرهابية درب العديد من الشباب على العمليات الانتحارية وكيفية تصنيع الأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة التى يتم استخدامها في عملية التفجير.

وقال هشام فؤاد، القيادي بحركة الاشتراكيين الثوريين، إن مؤتمرات الشباب التي تنظمها الرئاسة شكلية، وتخاطب فئة معينة يتم اختيارها من الموالين للنظام الحالي، مع تجاهل باقي فئات الشباب التي تعاني من حملات الاعتقال والتهميش والبطالة، مضيفا لـ”البديل”: “الحديث عن تمكين الشباب من دائرة اتخاذ القرار، أمر لا يمكن أن نراه؛ فالواقع يؤكد أن كل من يعمل تحت رئيس الجمهورية من وزراء ومحافظين وغيرهم، مجرد سكرتارية لتنفيذ الأوامر التي تملى عليهم”.

وأوضح محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، أن المعارضة والقوى الثورية نادت بحوار حقيقي وجاد بين الشباب والرئيس والحكومة، لكن أي شباب وأي حوار في ظل وجود آلاف من الشباب داخل السجون وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، مؤكدا أن مؤتمرات الرئاسة لم تتضح أهدافها ولم نشعر جدواها الحقيقية على أرض الواقع، إلا بتشكيل لجنة للعفو الرئاسي للإفراج عن المحبوسين على خلفية قانون التظاهر وقضايا الرأي، وكان من الممكن أن تشكل اللجنة دون تنظيم مؤتمرات بهذا الحجم وبهذه التكلفة، فالعبرة بما تم تنفيذه من توصيات، أو رؤية إيجابية تم طرحها، وليس مجرد الكلام، وتسخير وسائل الإعلام للتسويق الأجوف.