الرهان على المجهول فى مجزرة الروضة

لا يوجد أى تفسير منطقى للمجزرة الإرهابية فى مسجد الروضة ببئر العبد إلا بأحد ثلاثة سيناريوهات، الأول أن يكون من ارتكبوا هذه الجريمة إحدى الخلايا الأشد تطرفا داخل تنظيم داعش أو المنشقة عليه وتكفر كل من لم يتفق مع أفكارهم، والثانى أن يكون وراء الحادث تنظيم متطرف جديد جاء من إحدى الدول العربية أو كانت خلاياه نائمة فى سيناء ويريد أن يعلن عن نفسه بهذه الطريقة، والثالث أن تكون أجهزة مخابرات إقليمية أو دولية متورطة في الحادث سواء بالتجنيد أو بالتمويل أو كليهما، لتفجير العنف بين المذاهب الإسلامية نفسها، وليس بين المتطرفين وأجهزة الدولة أو حتى الأقباط كما كان الحال سابقا.

خطورة تفجير مسجد الروضة أنه يدشن سابقة جديدة تماما على أجندة الإرهاب فى مصر، فالرسالة الأولية التي تقدمها هذه العملية الإرهابية هى أن التنظيم الذى قام بها يضع الفرق الصوفية فى مرمى نيرانه باعتبارهم كفارا، وهو ما يفتح الباب أمام استهداف التنظيم للمساجد التى يؤمها المتصوفة فى احتفالاتهم فى جميع أنحاء مصر، وهو مالم تفعله أي من التنظيمات المتطرفة منذ السبعينات وحتى الآن، رغم خلافاتها الفقهية الجذرية والعميقة مع أبناء الفرق الصوفية، كما أنه يفتح الباب أمام استهداف التنظيم لفصائل من السلفيين، فضلا عن المواطنين
العاديين الذين لا يؤمنون بافكاره المتطرفة أو يختلفون معها اختلافا جذريا.

صحيح أن تنظيم داعش فى سيناء أعلن فى شهر يناير الماضى أنه سوف يستهدف مساجد الصوفية وبالتحديد مسجد الروضة ، لكن هذا لا يعنى أن التنظيم هو بالفعل من قام بهذا العمل، أو على الأقل هذا ما يفتقد إلى إثبات لا يقبل الشك، حيث لن نستطع الجزم بمسئوليته عن
الحادث إلا عندما تلقى أجهزة الأمن على عدد من أعضائه أحياء وتقدمهم لمحاكمات عادلة، عبر إجراءات قانونية صحيحة وواضحة.
ولكن إذا كان داعش هو الذى نفذ فعلا هذه العملية ، فإنها بلا شك تعتبر اكثر عملياته غباء وحماقة، فالوحشية التى تم تنفيذ العملية بها تفقد التنظيم قطاع واسع من حاضنته السكانية فى سيناء، بل انه سوف يكتسب عداء أبناء القبائل هناك، والتى أعلنت عن رغبتها فى تشكيل مجندين من أبنائها للوقوف بجانب قوات الجيش والشرطة فى مواجهة داعش عسكريا، وهو أمر فسره بعض المراقبين بشكل مختلف، حيث أشاروا إلى أن التنظيم قام بهذه العملية وهو فى حالة يأس، ويحاول من خلالها أن يوهم المصريين انه لازال يحتفظ بقوته، بعد الضربات
الموجعة التي وجهتها له قوات الجيش خلال الشهور الماضية.

أيا كان الأمر، فإن اتساع نطاق المستفيدين من هذه العملية سواء فى إسرائيل أو لدى دوائر أخرى مرتبطة معها، يجعل احتمال تورط أجهزة مخابرات فى الحادث مفتوح على مصراعيه، فى ظل صراعات سياسية طاحنة تموج بها المنطقة حول إعادة تشكيل دولها على أسس جديدة توسع بها من دوائر نفوذها، وشبح حرب طائفية بين السنة والشيعة يسعى كثيرون لإشعالها، فى ظل أحاديث مبهمة عن “صفقة قرن” لا أحد يدرى على وجه التحديد أولها من آخرها ، وتتناقض التفسيرات والاجتهادات بشأنها.

الأمر الوحيد الواضح فيما يحدث فى سيناء أن هناك حاجة مصرية ملحة للبحث عن استراتيجيات جديدة فى مواجهة الإرهاب، فالاعتماد
على الحل الأمنى وحده لم يجد نفعا طوال السنوات الأربعة الماضية ، والشواهد على ذلك عديدة، وهناك تحذيرات مهمة حول انتقال ” فلول ” داعش بعد هزيمتهم أو بالأحرى اقتراب اجتثاث وجودهم فى سوريا والعراق إلى مصر، بما يعنيه ذلك من خطر نشوب موجة إرهابية عاتية قد لا تقتصر على سيناء فقط.

نحن نحتاج بجانب الاستعدادات الأمنية إلى فلسفة جديدة للحكم، و توسيع نطاق المشاركة الشعبية فى صنع القرار السياسي والاقتصادي، وإقامة مشاريع تنموية واسعة فى البؤر الفقيرة مصر وعلى رأسها سيناء التى تمد طاحونة الإرهاب بالمزيد من الوقود.
باختصار، الديمقراطية هى سلاحنا الحقيقى والفعال لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه، وإلا فإننا سنظل نراهن على المجهول!
محمد عصمت