الرحمة المهداة

فزعت مكة عندما علمت أن أبرهة الحبشي ملك اليمن قادم لهدم الكعبة، ومعه جيش كبير قوي، يتقدمه فيل ضخم، يدوس من يقابله. وتقدم الفيل إلى الكعبة، لكنه فجأة توقف. حاول الجنود أن يجعلوا الفيل يتقدم، لكنه رفض تمامًا، وفجأة أظلمت السماء، وعلا صوت طيور، مختلطًا بصراخ الجنود وتساقط حجارة السجيل، التي ترميها الطيور عليهم؛ لتهلكهم جميعًا. احتفل العرب بهذه المناسبة، وأسموا هذا العام بعام الفيل.

في هذا العام، وبالتحديد يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفي بيت عبد الله بن عبد المطلب، ارتفعت أصوات الفرح والسعادة لميلاد محمد بن عبد الله، وأرسلت أمه السيدة آمنة بنت وهب إلى جده عبد المطلب، بشره بالخبر: “سيدتي آمنة أنجبت ولدًا أجمل من القمر”. فحمل الطفل، ودخل به الكعبة، وسماه “محمد”، وهو اسم لم يكن معروفًا عند العرب، وأحس أن هذا الطفل قد عوضه عن موت ابنه عبد الله، الذي مات في شبابه.

تأخرت حليمة السعدية عن وفد المرضعات من البدو؛ لأن حمارتها عجوز، وكانت تعرج في مشيتها، ولم تلحق حليمة أيًّا من أولاد الأغنياء؛ فقد سبقتها المرضعات الأخريات، ولم يتبقَّ إلا محمد، ذلك الطفل اليتيم، فأخذته حليمة، بدل أن ترجع خالية الأيدي. لكنها ما إن نظرت إليه، حتى وجدت في قلبها حبًّا شديدًا، وأحست بأن النور ينبعث من وجهه.

أثناء عودتها، ذهلت وهي ترى حمارتها العرجاء تنطلق بمنتهى القوة، وتسبق كل حمير المرضعات، حتى وصلت إلى ديار بني سعد قبلهن.

كانت الأرض في ديار بني سعد جافة من أي زرع، لكن غنم حليمة كان يرعى، ويعود ممتلئ البطن، فأدركت حليمة أن لهذا الطفل شأنًا وبركة، وأحبته أكثر من أبنائها. ولما بلغ محمد الرابعة، أعادته حليمة إلى أمه السيدة آمنة.

أرادت آمنة أن تزور قبر زوجها عبد الله الذي توفي في شبابه، فأخذت معها محمدًا، وكان في السادسة من عمره، وخرجت من مكة في رحلة تبلغ خمسمائة كيلو متر ومعها عبد المطلب. وما إن وقف محمد أمام قبر أبيه، وراته عيناه، حتى أحس بمعنى اليتم، فتألم ألمًا شديدًا، لكنه لم يكن يعرف أن القدر قد خبأ له مفاجأة أشد ألمًا.

ففي طريق العودة أحست آمنة بالمرض يصارعها، ولم تستطع أن تقاومه، فانتهى الصراع بوفاتها بـ “الأبواء” بين مكة والمدينة، وعاد محمد بعد هذه الرحلة يتيم الأم والأب.

أشفق عبد المطلب على حفيده، الذي حُرم الأب قبل مولده، ثم الأم وهو ما زال طفلاً في السادسة من عمره، فكان يفضله على أولاده، ولا يتركه أبدًا لأحزانه، وحتى في مجالس كبار قريش كان يأخذه، ولا يفارقه أبدًا.

توفي عبد المطلب جد محمد وهو في السنة الثامنة، فتولى رعايته عمه أبو طالب، الذي أحبه حبًّا كبيرًا، وقدمه على أولاده، وظل يرعاه على أكمل وجه.

ولما بلغ محمد الثانية عشرة من عمره، خرج مع معه أبي طالب في رحلة إلى الشام، ولما وصل إلى البصرة، توفقت القافلة امام صومعة، ونزل الراهب بحيرة من صومعته، ثم صاح لما رأى محمدًا: “هذا سيد العالمين. هذا رسول رب العالمين. هذا يبعثه الله رحمة للعالمين”. فقال له أبو طالب وتجار قريش: “وكيف عرفت هذا؟. فقال: إنكم عندما أيتم من العقبة، لم تمروا على حجر أو شجرإلا سجد، ولا تسجد الأحجار والأشجار  إلا لنبي”.

وأضاف: “وأنا أعرفه بخاتم النبوة الموجود أسفل كتفه، وهذه علامات النبوة الموجودة عندنا في التوراة والإنجيل”. وطلب بحيرى من أبي طالب أن يرجع، ولا يذهب به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.

سمعت سيدة من أشراف مكة عن الصادق الأمين محمد بن عبد الله، فطلبت أن يخرج في تجارتها إلى الشام، فرحب محمد، وخرج ومعه ميسرة غلام خديجة.

ولما عادت قافلة خديجة، وحكى لها ميسرة ما رآه من معجزات محمد وأمانتهو وحسن خلقه، لم تتردد في أن تتخذ قرارها الذي سيغير كل حياتها.

دق الباب.. كانت القادمة هي نفيسة بنت منبه، أخلص صديقات خديجة وأمينة سرها.. كلمت محمدًا في أمر خطير.. أمر يتمناه سادات قريش: “خديجة تعرض عليك الزواج”.

وافق بلا تردد، وعرض على أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة، وخطبوها، واحتفلت مكة بزواج الصادق الأمين وهو في الخامسة والعشرين بأفضل نساء مكة نسبًا وشرفًا وثروة وعقلاً، وعاش معها أسعد لحظات حياته، ووقفت بجانبه في أشد اللحظات محنة وألمًا.

كان محمد يترك مكة، ويقطع الصحراء.. يصعد جبل النور في قلب الليل، حيث الوحشة والوحوش وقطاع الطرق والمخاطر التي لا يعلمها إلا الله، ثم يدخل إلى غار حراء، فيقيم فيه شهر رمضان.. يتفكر فيما حوله من مشاهد الكون والآيات التي تدل على الخالق الحكيم.

وذات مرة، بينما محمد جالس وحده في الغار، مع الوحشة وسكون الليل، إذ مزق هذا الهدوء والسكون ظهور شيء أذهله.. ظهر له فجأة مَلَك، وقال له: “اقرأ”. فقال محمد: “ما أنا بقارئ”. فضمه إلى صدره بمنتهى القوة، ثم قال له: “اقرأ”. فقال محمد: “ما أنا بقارئ”. وتكرر الأمر مرتين، ثم قال المَلَك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

وكما ظهر المَلَك فجأة، اختفى فجأة.

عاد محمد إلى زوجته خديجة وهو يردد: “زمِّلوني.. زمِّلوني..” (غطوني).

فغطته، وانتظرت حتى هدأ، ثم حكى لها ما حدث، فأسرعت خديجة بالذهاب بمحمد إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان نصرانيًّا، فقال له: “هذا الوحي الذي نزل على موسى”. ومن يومها عرف محمد أنه نبي من عند الله عز وجل.

توقف الوحي عن النزول؛ حتى يذهب الخوف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه بدأ يشعر بشيء جديد وعجيب.. حب كبير  وشوق شديد لذلك الوحي الذي كان يفزع منه، فبدأ محمد يتطلع ويترقب بلهفة، ويتمنى لو رأى ذلك المَلَك المهيب مرة أخرى، وقضضى رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر رمضان في الغار، وظل ينتظر وينتظر، والوحي لا يأتي، حتى انتهى رمضان، فخرج من الغار.

وبينما يسير يائسًا، سمع صوتًا يناديه، فأخذ ينظر يمينًا ويسارًا، أمامه وخلفه، فلم يجد شيئًا.. ثم رفع رأسه للسماء، فإذا به يرى شيئًا مهولاً يفوق الوصف والخيال.

المَلَك الذي جاءه في الغار جالس على كرسي بين السماء والأرض، فقعد محمد على ركبتيه من هول المنظر، ثم جرى إلى خديجة وهو يقول: “دثِّروني دثِّروني”.. (غطوني ولفُّوني بالثياب)، فنزلت الآيات الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.

بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آيات المدثر بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولأنه قومه كانوا لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولن يقبلوا دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، ولن يسمحوا له بنشرها؛ بدأ الدعوة إلى الله سرًّا.

فعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام على أقرب الناس إليه، فكانت زوجته الوفية خديجة أول من أسلم، ثم خادمه زيد بن حارثة، فابن عمه علي بن أبي طالب، فصديقه ورفيق عمره أبو بكر الصديق، وقام هؤلاء بدعوة الأقربين إليهم.

ودعا أبو بكر من يثق بهم من قوه، فأسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعرف هؤلاء الثمانية باسم “الرعيل الأول”.

انتبهت قريش ذات يوم إلى صوت يصيح بهم: “يا بني فِهْر.. يا بني عدي.. يا بني عبد مناف.. يا بني عبد المطلب”.

تطلع الناس إلى النداء، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا، فاجتمعوا ليعرفوا الخبر. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصدِّقيَّ؟”.

قالوا: “نعم، ما جربنا عليك كذبًا”.

قال: “إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”.

انفجر كفار قريش لسماع هذا الكلام، فصاح عمه أبو لهب بغيظ: “تبًّا لك يا محمد.. ألهذا جمعتنا؟!”.

فنزل قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ(5)﴾.

ولم يقبل كفار قريش أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهدد نفوذهم ومصالحهم بالدين الجديد، فصبوا على المسلمين أشد أنواع العذاب، وحاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم بكل الوسائل، وأشاعوا أنه كذاب وشاعر ودجال وساحر ومجنون.

صبر المسلمون على أذى المشركين، حتى أذن الله لهم بالهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، ولما علمت قريش، احتشدت مجموعة أمام بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتظروا حتى يخرج ليقتلوه. ولما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بينهم، أخذ الله أبصارهم، فلم يروه، ووضع التراب على رءوسهم، ثم اختبأ هو وأبو بكر في غار ثور، وأعلنت قريش عن مكافأة مغرية.. مائة ناقة لمن يُحضِر الرسول صلى الله عليه وسلم حيًّا أو ميتًا.

وبينما هما في الغار، فوجئ أبو بكر ببعض كفار قريش يقفون أمام الغار، فقال: “يا نبي الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا”.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم بثقة في الله لا حدود لها: “ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا”.

وتابع أبو بكر بعينيه الرجال وهم ينصرفون عن الغار، ويعودون خائبين من حيث أتوا. ثم أكمل الرسول صلى الله عليه وسلم طريقه إلى المدينة، حيث استقبلته بالغناء والأفراح، وبنى فيها المسجد النبوي.

لم تكن قريش لتترك المسلمين ينعمون بحياة آمنة في المدينة، رغم أنهم أخذوا كل أموال المهاجرين، واتصلت قريش ببعض المنافقين واليهود من سكان المدينة؛ ليتحالفوا معهم في القضاء على المسلمين، ووقعت بسبب هذا غزوات كثيرة، أهمها: غزوة بدر، وكان عدد المسلمين فيها حوالي 314، وعدد جيش قريش 1300، ونصر الله المسلمين نصرًا كبيرًا، ثم غزوة أحد، وانتصر فيها المسلمونن لكن رماة الأقواس تركوا الجبال، ونزلوا، مخالفين أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم غزوة الأحزاب، التي خرج فيها عشرة آلاف مقاتل من شتى القبائل، وتوجهوا إلى المدينة؛ للقضاء على المسلمين، وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف، وأشار سلمان الفارسي على الرسول صلى الله عليه وسلم بحفر خندق يحمي المدينة من اقتحامها، وفوجئت الجيوش الغفيرة بهذا الخندق، وحاول بعض مقاتلي المشركين عبور الخندق، لكن محاولاتهم انتهت بالفشل، وانتصر المسلمون، وأصبح لهم بعد هذه الغزوات نفوذ وسلطان وقوة لا يستهان بها في جزيرة العرب.

رأىالرسول صلى الله عليه وسلم في المنام أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وطافوا بالكعبة، واعتمروا، ففرح الصحابة؛ لأن رؤيا الأنبياء صدق.

وفي اليوم الأول من شهر ذي القعدة سنة 6 هجرية، خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه، متوجهين إلى مكة؛ ليعتمروا، وحالت قريش بين المسلمين ودخول مكة، وانتهى الأمر بمعاهدة صلح الحديبية، وعاد المسلمون إلى المدينة. ولكن قريشًا اعتدت على قبيلة خزاعة المتحالفة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقضت بهذا  صلح الحديبية.

ويوم العاشر من رمضان السنة الثامنة للهجرة تحرك عشرة آلاف مسلم، يقودهم الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى مكة، ولما علمت قريش، انتشر الرعب في بينهم؛ لأنهم لن يقدروا أن يحاربوا هذا الجيش القوي.

وفي يوم من أعظم أيام الدنيا، دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة على دابته مطأطئ الرأس؛ تواضعًا لله، ثم جمع كفار قريش، وسألهم: “ما ترون أني فاعل بكم؟”.

قالوا: “أخ كريم، وابن أخ كريم”.

فقال: اذهبوا، فأنتم الطلقاء”.

وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقضى بقية حياته يهدي الناس إلى طريق الله بالحكمة والموعظة الحسنة.