الخيانة ليست وجهة نظر

ملحوظة مهمة: استعمال جملة لينين التي تتحدث عن أن المثقفين هم الأقدر على تبرير الخيانة أمر جيد، لكن يجب تذكّر أن لينين كان مثقفاً أولاً، فهل كان يتحدّث عن نفسه؟ كلا، سياق الجملة مقتطع، هو كان يتحدّث عن “مدعي الثقافة” و”المسترزقين منها”. ثانياً نحن من حضارةٍ لطالما كان مثقفوها شهداء كغسان كنفاني، وناجي العلي، وعلي شريعتي ومرتضى مطهري وسواهم. لذلك لا تغوصوا في شتم “المثقفين” الحقيقيين، لأن هذا هو المطلوب.

صعق المجتمع اللبناني البارحة عبر خبر اعتقال الممثل اللبناني والمسرحي المعروف زياد عيتاني. الممثل القادم من عائلة فنّية (جده هو الفنان المعروف محمد شامل، وقريبه الفنان الكبير والراحل أيضاً شوشو) فضلاً عن أن نوعية المسرح الشعبي الذي قدمه قربته كثيراً من جميع طبقات المجتمع. عيتاني الذي لايزال معتقلاً على ذمة التحقيق في قضية أمنية معقدة وتوجه له تهم العمالة مع العدو الصهيوني، أقر بالكثير مما إتهم به بحسب البيانات الأمنية التي وزّعت رسمياً للإعلام حول الموضوع.

المشكلة في هذا النقاش، كما الموضوع، أنه يقودنا إلى فكرةٍ شديدة التعقيد إذ إن ما حدث مع زياد عيتاني (بغض النظر عن نتائج التحقيق من عدمه) يعيدنا إلى فكرة أهمّية الطبقة “المثقفة” ودورها المحوري والأساسي في المعركة مع العدو الصهيوني وأعداء الأمّة. وما هجوم كثيرين على الطبقة “المثقفة” إلا دليل على أنَّهم لم يعوا حتى اللحظة طبيعة المعركة وعمقها سواء الأفقي (في الصراع مع مثقفي وثقافة الهزيمة والعدو اليومي المعاش) أو العامودي(في توعية جميع فئات الشعب وطبقاته لأهمية الصراع، لا مجرد استخدامها كوقود). يحاول الصهيوني (والسعودي لاحقاً) السيطرة على هذه الطبقة، بكل ما أوتي من قوة؛ ساعةً عبر المال، ساعةً عبر التهديد والتخويف. ففي خضم الصراع مع العدو الصهيوني عسكرياً إبان ثمانينيات القرن الماضي، اغتال الموساد ثلة كبيرة من “المثقفين” (كغسان كنفاني، وعز الدين قلق، وكمال ناصر، وكمال عدوان وناجي العلي) وكلّهم أصحابُ تأثيرٍ ثقافي أكثر بكثير من ذلك العسكري. كان هؤلاء “درع” المجتمع، و”حمايته” تجاه الأفكار الهجينة والعميلة والخائنة. كانت هذه العمليات حسبما بررتها رئيسة وزراء العدو غولدا مائير: “أمراً ضرورياً لحماية الدولة”، إذ اعتبرت خطر غسان كنفاني (والذي كان على رأس لائحة الاغتيالات) أشد خطراً على الكيان العبري من آلاف الصواريخ. هنا تحضر أهمية أن تكون مثقفاً “عضوياً” كما يقول المفكر أنطونيو غرامشي، أن تستعمل ثقافتك كسلاح، كحربة في الصراع مع العدو. أن “تستعمل ثقافتك في الاشتباك” كما يقول العزيز الشهيد باسل الأعرج، هنا تحضر أهمية المثقف ودوره الفعلي في المواجهة لا في مجرّد التنظير من بعيد.

خلال السنوات الفائتة، (أي بعد العام 1982 تحديداً) ظهرت طبقاتٌ جديدة من مدعي الثقافة (خصوصاً بعد ضمور الإتحاد السوفياتي وتأثر الحركات اليسارية بهذا الأمر)، وباتت تقدّم لنا باعتبارها “مثقفة”: جلست في المقاهي وابتعدت عن ساحات النضال. سخّفت أي عمل نضالي أو ثوري بمقابل تمجيد العمل الإنساني (غير المنتج، والذي يقود حكماً إلى “السلام” مع العدو الصهيوني) مع تغطية أفكارها بمنطق “النضال بكلمة” وهو أضعف الإيمان، لاحقاً ألغت النضال بالكلمة مع التركيز على تسخيف “خشبية” النضال الثوري والعسكري وسخافته واستحالته. مجدت “التاريخ” وتجنّبت الحاضر، مع تجريح وتشويه أي شيء من شأنه محاربة أعدء الأمّة. طبعاً مفهوم الأمّة ككل ألغي من قاموس مدعي الثقافة هؤلاء؛ هؤلاء أصبحوا يدعون إنتمائهم “للكون” “للكوكب” ولكن ليس لبلادهم. المال؛ طبعاً هنا يجب الحديث مطولاً عن المال، لكن الأمر واضح: عبدوا المال بكل ما أوتيوا من قوة. أخيراً: عداء أي طرفٍ يقاوم مهما كان اتجاهه ولونه: أي حاملٍ للسلاح بوجه أعداء الأمّة عليهم أن يعادوه بكل ما أوتيوا من قوة. بكل ما يستطيعون: التسخيف، الاستهزاء، السخرية، وأخيراً بكل ما يقدرون عليه كتابةً وقولاً وفعلاً.

النقطة الثانية: العمالة. تبرير العمالة ضمن منطق: أنت تقف مع دول أخرى داعمة لمقاومتك، هم ضد مقاومتك، لذلك سيقفون مع دولٌ ضد مقاومتك. أنت تحب هذه الأمة وتكره أعدائها، هم يكرهون هذه الأمّة ويقفون مع أعدائها (سواء أكان العدو المباشر كالصهيوني أو عدو متخلّف كحكّام الرياض). هنا تصبح الخيانة مجرد وجهة نظر. هنا يصبح الأمر “نقاشاً” بين طرفين، هنا يصبح الحديث رأيك ورأيي. فيما هو عمالة وخيانة وتستوجب القتل. لا أقل ولا أكثر.

في هذا المقال لستُ أحاكم عيتاني، هو موقوفٌ لدى القانون، لكن الموضوع بحاجة كثيراً لنقاش، بحاجة كثيراً لقراءة مهمّة لأن الممثل المذكور قدّم نفسه كمدعي ثقافة شعبي غير اعتيادي. بمعنى أنه كان ينتقد المثقفين “الحقيقيين” (على قلّتهم الشديدة) في بلادنا، بسخرية وكان الجميع يضحك على تلك السخرية. لكن ما ثبت -وهو أمرٌ أكيد- أن هؤلاء من كنا نضحك عليهم كانوا صادقين، إذ إن كثيراً منهم استشهدوا لأجل تلك الأفكار. باختصار يجب اعادة قراءة ما حدث مع العيتاني. يجب قراءة الأمر مراراً وتكرارً بعيداً عن الصور “النمطية” في العلاقة مع المثقفين ومدّعي الثقافة: ويجب أيضاً تذكّر أن هذه البلاد التي أنجبت غسان كنفاني وناجي العلي وباسل الأعرج قادرة على إنتاج مثقفين عضويين مشتبكين قادرين على حمل البندقية والقلم في آنٍ معاً. أي خلافٍ لذلك سأستعير كلمات الشهيد الأعرج: إنت مش مثقف مشتبك، لا منك ولا من ثقافتك.

المطلوب حرفياً من هذه المجتمعات –أي مجتمعاتنا- ألا يكون لها درعٌ واقٍ، درعٌ ثقافي يحميها من “ثقافة” الاستهلاك والعمالة والخيانة، المطلوب أن تكون عاريةً بمواجهة أعداءاً يمتلكون ثقافة ومثقفين متوحشين لا يرون فيها إلا لقمةً سائغة للاستهلاك. المطلوب ألا يكون لدينا ناطقٌ بالحق، قائلٌ بالمقاومة المباشرة كما هي دون لبسٍ دون لفٍ أو دوران. مثقف يشير للعدو وينتبه للصديق. مثقفٌ يعي مخاطر هذه المرحلة ويوجّه ناحية الصواب. هؤلاء يتم تسخيفهم واخفائهم وحتى قتلهم لأنّهم “الخطر الأكبر” على المشاريع التي تستهدف الأمة.