الحرب الأمريكية «النظيفة».. أسطورة

نشر موقع “أوبن ديموكراسي” البريطاني مقالاً للكاتب بول روجرز، أستاذ قسم دراسات السلام بجامعة برادفورد شمال إنجلترا، يوضح فيه فشل أسطورة “الحرب النظيفة” أو “حرب التحكم عن بعد” التي تبنتها الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر.
وإليكم نص المقال:
منذ هجمات 11 سبتمبر، حدث تحول في طريقة الحروب الغربية، لاسيما الأمريكية، من عشرات الآلاف من القوات على الأرض إلى حرب “التحكم عن بعد”. وقد اشتملت هذه الطريقة بشكل أساسي على استخدام أكثر كثافة للقوة الجوية، بما في ذلك الطائرات القتالية بدون طيار، والقذائف المدفعية بعيدة المدى، بالإضافة إلى استخدام أوسع نطاقًا للقوات الخاصة والشركات العسكرية الخاصة.
الدول التي تتبع هذه الطريقة – المسماة “الحرب النظيفة” –  في الحرب ترى ثلاث مزايا، اثنتان عسكريتان وواحدة سياسية:
1- عدد أقل من المصابين والقتلى داخل صفوف قواتهم.
2- نجاح التكتيك.. دقة تحقيق الهدف دون خسائر مدنية كبيرة.
3- تغطية إعلامية قليلة جدًّا لهذا النوع من الحرب، وفي حالة بعض البلدان، وعلى الأخص بريطانيا، هناك اتفاق سياسي طويل الأجل بأن دور القوات الخاصة يجب ألا يخضع للنقاش العام أو حتى التدقيق.
ويبدو أن تلك الحرب النظيفة بواسطة “جهاز التحكم عن بعد” تجري على قدم وساق. على سبيل المثال، قامت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بزيادة تواجدها بهدوء في الصومال من خلال إضافة عدة مئات من القوات الخاصة، بالإضافة إلى زيادة الغارات الجوية، في حين تتواصل الضربات الجوية في اليمن.
وفي أفغانستان، التزايد التدريجي للقوات هو أكثر أهمية، حيث تم إرسال المزيد من القوات الخاصة الأمريكية وسط قلق حول قدرة طالبان على توسيع سيطرتها على الأراضي.
ولكن الجدير بالملاحظة هو الزيادة الكبيرة في تبني هذه “الحرب النظيفة” المزعومة من استخدام للقوة الجوية الأمريكية والطائرات بدون طيار منذ تولي ترامب منصبه.
أفادت وسائل الإعلام الأمريكية أن القوات الجوية الأمريكية قامت بإسقاط ثلاثة أضعاف عدد القنابل التي تم إسقاطها في أفغانستان هذا العام مقارنة بالعام الماضي، وتظهر الأرقام الجديدة أن البيت الأبيض يفتح جبهة جديدة في أطول حرب أمريكية.
الوعد والواقع
هذه هي الطريقة لخوض الحروب في المستقبل. في النظرة العالمية الترامبية، تلك “الحروب النظيفة” المزعومة ستكون نظام العصر الحالي، حيث تقدم وعود نجاح عسكري في تحقيق الهدف مع تكلفة منخفضة في الضحايا على كلا الجانبين.
لكن نظرة فاحصة تبين أن الأمور ليست بهذه البساطة، والضحايا المدنيون في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرهم يقول خلاف ذلك.
في النقطة الأولى المتمثلة في تحقيق الهدف، يوضح موجز للأحداث الرئيسية لنتائج “الحرب على الإرهاب” منذ عام 2001 الآتي:
* في 29 يناير 2002، كان خطاب جورج دبليو بوش أقرب إلى خطاب انتصار في أعقاب إنهاء نظام طالبان وقمع وتشتيت القاعدة بعد 11 سبتمبر ، في حين أن الحرب في أفغانستان قد دخلت لتوها عامها السابع عشر.
* في 1 مايو 2003، قدم الرئيس الأمريكي خطابه تحت شعار “تم إنجاز المهمة”  بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، لكن منذ ذلك الحين دخلت العراق في دوامة من العنف والإرهاب.
* في عام 2008، عندما انتخب باراك أوباما، كانت الحرب في العراق تبدو تحت السيطرة الكافية له لكي يأمر بسحب كبير للقوات الأمريكية من هناك، ولكن في الفترة 2014- 2017 دخلت الولايات المتحدة مرة أخرى في حالة حرب في البلاد.
* في عام 2011، رأى رؤساء حلف الناتو أن سقوط معمر القذافي سيعقبه السلام والاستقرار، لكنه أثار المزيد من الصراعات بليبيا.
على الأرض
ينبغي النظر كذلك إلى فعالية الجانب الثاني (الضحايا المدنيين) لـ”الحرب النظيفة”. حيث تكشف نتائج العمل العسكري في السنوات الثلاث الماضية فقط وهمية تلك الأسطورة الخطيرة.
يرى فريق المراقبة أن الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وسوريا شملت أكثر من 28 ألف غارة جوية مقسمة بشكل أو بآخر بين البلدين باستخدام أكثر من 103 ألف قنبلة وصاروخ.
وقد بذلت منظمة إيروارس، وهي منظمة معنية بتتبع أعداد الضحايا من المدنيين، قصارى جهدها لتقييم وقوع إصابات بين المدنيين، ورصدت حاليًّا ما لا يقل عن 6000 شخص – أكبر بكثير من أي أرقام أعلنها البنتاجون.
وفيما يتعلق بالعراق، تقول التقارير إن أكثر من 179 ألف مدني عراقي لقوا حتفهم خلال الخمسة عشر عامًا الماضية.
ومع ذلك، كان من الصعب على المحللين تقييم ذلك الادعاء بشأن دقة “الحرب النظيفة”، لأنهم يعتمدون بشكل كبير على البيانات المقدمة من القيادة المركزية للقوات الأمريكية. وبغض النظر عن الجهود التي تبذلها المنظمات غير الحكومية، فإن نتائجها يمكن تجاهلها.
لكن هذا بدأ يتغير أخيرًا، حيث إن عمل هذه المنظمات أصبح مدعومًا بتقييمات ميدانية من الصحفيين ذوي الخبرة الذين سافروا إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية بعد انسحاب داعش. وتؤكد تقاريرهم شكوك أسطورة “الحرب النظيفة”.
على مدى أربعة عشر شهرًا حتى يوليو 2017، زاروا 150 موقعًا في شمال العراق، وأجروا مقابلات مع مئات الشهود والناجين. بعد ذلك قارنوا النتائج التي توصلوا إليها مع بيانات القيادة المركزية للقوات الأمريكية. واتضح الفرق بين الحقائق على أرض الواقع وبيانات القيادة المركزية.
بالنسبة للبيانات الرسمية فيما يتعلق بأعداد وفيات المدنيين في الحروب الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب، قد تكون هذه الحرب أقل شفافية في التاريخ الأمريكي الحديث.
وعلاوة على ذلك، كشفت تقارير عن فشل ثابت من جانب الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للتحقيق في الدعاوى على الوجه الصحيح أو الاحتفاظ بسجلات تمكن المنظمات الدولية المعنية من التحقيق في الدعاوى على الإطلاق.
على مدى سنوات، تم الترويج للحروب الجوية الأمريكية بأكملها على أنها عملية “نظيفة” – وهو ما لم يكن واضحًا. وإذا كنا نعتقد أن خوض حرب عن بعد هو الطريق الذي يمكن أن نذهب إليه لأنه لا يقتل شعبنا ولا المدنيين الأبرياء من الشعوب الأخرى، فإننا نخدع أنفسنا.
هذا الوهم بدوره يجعل من الأرجح أننا ينبغي أن نحصل على نوع من التدقيق والنقاش السياسي بشأن الاتجاه والنتائج الطويلة الأجل لهذه الطريقة الجديدة للحرب.