«الجبهة التقدمية الوسطية» في تونس.. هل تسحب البساط من «النهضة»؟

تعيش تونس أجواءً سياسية مرتبكة هذه الأيام، ففي الوقت الذي تصارع فيه حكومة يوسف الشاهد، للبقاء على الرغم من الإخفاقات المتلاحقة، ويصارع فيه نواب البرلمان للتوافق حول بعض الملفات الشائكة، وتتعالى فيه أصوات الانتقادات لمشروع الموازنة الجديد لعام 2018، تخرج جبهة برلمانية جديدة، تكونت بشكل سريع ومفاجئ، لتضيف المزيد من الارتباك على الحياة السياسية في البلاد.

التكوين والأهداف

أعلن نواب تونسيون، الجمعة الماضية، عن تأسيس “الجبهة البرلمانية الوسطية التقدمية”، وهي جبهة جديدة تضم نوابا من مختلف الكتل باستثناء كتلة حركة النهضة الإسلامية، وأورد البيان التأسيسي أنها تهدف إلى العمل على إعادة التوازنات السياسية التي أفرزتها نتائج انتخابات عام 2014، بتوحيد المواقف والرؤى داخل البرلمان، من أجل إضفاء مزيد من النجاح على العمل التشريعي والرقابي وكل ما يتعلق بالهيئات الدستورية ومسار استكمال بناء مؤسسات الجمهورية الثانية، وشددت الجبهة على ضرورة ضمان استمرار حرب الدولة على الفساد ودعم جهود مؤسساتها، مضيفةً أنها تعمل على تحقيق الاستقرار السياسي بما يسمح بالإسراع بإصلاحات اقتصادية واجتماعية عاجلة تحقق آمال الشعب في التنمية والعمل.

تضم الجبهة 43 نائبًا من أصل 217 ينتمون إلى أحزاب “مشروع تونس” و”آفاق تونس” و”الكتلة الوطنية”، إضافة إلى نواب مستقلين و6 نواب من حزب “نداء تونس” العلماني الحاكم، الأمر الذي سيقلص عدد نواب الحزب في البرلمان إلى 50 نائبًا، مقابل 68 لحركة النهضة، ومن المفترض أن يتم عقد الجلسة العامة الأولى للإعلان عن تكوين هذه الجبهة غدًا الإثنين بعد الظهر بمجلس النواب.

الأهداف الحقيقية

بعيدًا عن الأهداف التي أعلنها البيان الصادر عن الجبهة بأنها تهدف إلى إعادة التوازنات السياسية، فقد انقسم السياسيون حول الأهداف الحقيقية لها، ورأى البعض أنها ستعمل في الأساس ضد حركة النهضة الإسلامية التي تسيطر منذ سنوات على نظام الحكم في البلاد وتضم 69 نائبًا في البرلمان، وستسعى إلى تقليص نفوذها داخل المجلس النيابي، وبخاصة أنها الكتلة الأكبر والأكثر تماسكًا بعد انقسام كتلة “نداء تونس”، حيث سعت النهضة إلى الاتحاد مع حركة نداء تونس في الانتخابات الماضية بعد أن شعرت بخطورة فقدان نفوذها السياسي.

على جانب آخر، يرى بعض المراقبين أن الجبهة، إلى جانب معارضتها للنهضة ومحاولة إسقاط نفوذها، ستعمل أيضًا على تلميع صورة الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق، وإعداده للاستحقاق الانتخابي المقبل، وتمكينه من تبوء موقع هام في المشهد السياسي، خاصة بعد أن سحب حزب “نداء تونس” البساط من تحت أقدامه في انتخابات 2014.

غضب في النهضة والنداء

على اعتبار أن الجبهة الجديدة تمثل خطرًا على المستقبل السياسي لكل من حركتي “النهضة” و”نداء تونس”، فقد أثار تكوينها وقرب إعلان انطلاقها قلق وغضب الحركتين الحاكمتين، وأكدت حركة نداء تونس في بيان رسمي أنه “لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بمشروع ما سمي بجبهة برلمانية في مجلس نواب الشعب”، ونبهت إلى أن “مواقفها الرسمية هي فقط ما يصدر في بلاغاتها الممضاة من مديرها التنفيذي، وأن كل من يمضي من نوابها مع مشروع المبادرة المذكورة يعتبر في حل من أي ارتباط سواء بكتلة نداء تونس أو بالحزب، عملًا بمقتضيات الانضباط التنظيمي والمحافظة على وحدة الحزب وكتلته البرلمانية”.

وأضاف رئيس الكتلة في البرلمان سفيان طوبال، أنه لم يقع أي اتصال بين الجبهة الجديدة وكتلة النداء، مؤكدًا أن “النواب الذين وقعوا على المشاركة في هذه الجبهة لم يكونوا على علم بل ظنوا أنها مشاركة في المشاورات لا غير”، مستنكرًا ظهور جبهة مماثلة في هذا الوقت، وخاصة قبل المصادقة على مشروع قانون المالية 2018، لأنها تتسبّب في إشكاليات صلب البرلمان، مؤكدًا: هذه الجبهة وُلدت ميتة، ونحن نعرف من يقف وراءها، هذه أجندة لطرف سياسي بصدد التقهقر ويسعى إلى العودة إلى المشهد السياسي بعد فشله في تكوين جبهات سياسية سابقًا.

من جانبها، علقت حركة النهضة التونسية على ولادة جبهة جديدة معارضة لها بالقول إن “المساس بوحدة حركة النهضة وكتلتها البرلمانية هو نوع من المساس بالأمن القومي لتونس”، وأكد رئيس الحركة راشد الغنوشي، أن النهضة هي القطعة الجديدة في التضاريس التي أفرزتها الثورة التونسية، والمس بوحدة الحركة والكتلة هو نوع من المس بالأمن القومي في تونس، معتبرًا أن النهضة تمثل أحد أساسات الأمن القومي، وأضاف الغنوشي: “نحن نعطي رأينا في الكيانات التي تملك مقومات البقاء والوجود، وقد شهدنا عدة جبهات وكيانات الضد التي لم تستمر، لأنه لا مبرر لوجودها”، وتابع رئيس حركة النهضة: هذا مولود جديد ليس من الثابت أن له مقومات البقاء، وعندما يثبت أن له قابلية للحياة والاستمرار سنتعامل معه تعاملًا إيجابيًا.

خلافات وانقسامات

يأتي ظهور الجبهة الجديدة في الوقت الذي تسود فيه حالة من الارتباك داخل الحياة السياسية التونسية، إذ تتعرض الحكومة إلى انتقادات واسعة بسبب ما أسمته بـ”إصلاحات مؤلمة ضرورية” في مشروع الموازنة الجديدة الذي سيُعرض على البرلمان للمصادقة عليه قريبًا، وتشمل إجراءات ضريبية وتقشفية تسعى الحكومة إلى إقناع الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد أرباب العمل للقبول بها، في حين تعالت أصوات محذرة من تأثير سلبي متوقع للموازنة الجديدة على الطبقة الوسطى والفئات الفقيرة، كما هدد اتحاد أرباب العمل بالانسحاب من “اتفاق قرطاج” الذي سمح بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد، داعيًا إلى التراجع عن الإجراءات الضريبية التي تضمنها مشروع الموازنة ضد رجال الأعمال، وفي الوقت نفسه حذر محافظ المصرف المركزي الشاذلي العياري، من صعوبة الظرف الاقتصادي والمالي الذي تمر به البلاد، واصفًا العجز التجاري التونسي بـ”التاريخي” نظرًا إلى الهبوط الحاد للدينار أمام العملات الأجنبية، فالدينار التونسي يتداول حاليًا بسعر 2.5 مقابل الدولار الواحد.

بعيدًا عن الأزمات الحكومية وسقوط رئيس الوزراء يوسف الشاهد، بين مطرقة الانتقادات لهذه الإصلاحات وسندان الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد والذي يفرض تطبيق هذه الإصلاحات بشكل عاجل، تأتي الخلافات داخل حركة النهضة التونسية، فعلى الرغم من أن هذه الخلافات لم تعد خافية على أحد، فإنها شهدت في الآونة الأخيرة تصاعدًا واضحًا بسبب تباين وجهات النظر إزاء العديد من الملفات الساخنة.

قانون المصالحة الإدارية، كان آخر مؤشرات انقسام الحركة، وأظهر التصويت على هذا القانون في البرلمان انقسامًا وتشرذمًا داخل الحركة نفسها، إذ عارضه صراحةً 5 نوّاب من بينهم الوزير السابق نذير بن عمّو، الذي أعلن استقالته من الكتلة إثر المصادقة عليه، إضافةً إلى احتفاظ نائب بصوته، وغياب حوالي 30 نائبًا عن جلسة التصويت، وهو ما أظهر الحركة بشكل منقسم، وأرجعه بعض السياسيين إلى ولادة تيار معارض لرئيس الحركة راشد الغنوشي، الأمر الذي سيسرع بانهيارها.

الخلافات والتشتت الحكومي، والوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، والانقسامات داخل حركة النهضة، ناهيك عن مثيلتها داخل حزب نداء تونس، كلها مؤشرات قد تنبئ بولاده قوية للجبهة الجديدة، خاصة أنها تضم العديد من الأحزاب البرلمانية مما يعطيها وزنها القوي على مستوى التصويت داخل البرلمان، وقد تزداد قوتها إذا ما تحالفت مع نواب الجبهة الشعبية اليسارية التي تمتلك نحو 16 نائبًا برلمانيًا.