التطبيع مع إسرائيل يشعل «القضية رقم 23»

حاز فيلم «القضية رقم 23» للمخرج اللبناني زياد دويري، خلال الأشهر الماضية، على شهرة كبيرة وضعته في دائرة الضوء، عقب مشاركته في العديد من المحافل الدولية والعربية؛ من بينها مهرجان البندقية السينمائي ومهرجان «تيلوريد» بالولايات المتحدة الأمريكية، ومهرجان تورنتو الدولي، بالإضافة إلى مهرجان الجونة، وأخيرا، اختير لتمثيل لبنان في «أوسكار 2018» عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

ولم تشفع كل هذه الحفاوة التي استقبل بها الفيلم وصناعه في مختلف دول العالم، للمخرج اللبناني زياد دويري في فلسطين وتونس؛ ففي أكتوبر الماضي، منع القائمون على مهرجان أيام سينمائية في فلسطين عرض «القضية رقم 23» ضمن الفعاليات؛ بسبب الاحتجاجات الواسعة من قبل الشعب الفلسطيني الذي رفض استضافة الفيلم ومخرجه المتهم بالتطبيع مع إسرائيل.

وبالفعل، استجاب المسؤولون في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وتم رفع الفيلم من دور العرض، حتى جاء مهرجان قرطاج السينمائي الذي اختتم فعالياته يوم السبت الماضي، حيث حاولت إحدى المنظمات التونسية المناهضة (الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني)، منع الفيلم من العرض والمشاركة الرسمية، وقالت في بيان لها: «عرض الفيلم يتضارب مع الثوابت الشعبية والوطنية والقومية المضمنة بالدستور»، وشددت على أن مخرج الفيلم يدعو للتطبيع مع دولة الكيان الإسرائيلي.

وفى يوم الأربعاء الماضي، تجمهر عدد من الجالية الفلسطينية في تونس أمام سينما «كوليزي»؛ من أجل الضغط على إدارة «قرطاج» لسحب الفيلم، إلا أن قوات الأمن التونسية التفت حول السينما أثناء عرض «القضية رقم 23»، خوفًا من وقوع أي مشادات بين الحضور والمحتجين، وبالفعل عرض الفيلم.

وتعود أسباب الأزمات التي واجهت عرض الفيلم في فلسطين وتونس إلى مخرج العمل، الذي اتهم بالتطبيع مع إسرائيل، منذ عام 2013، بعدما قدم فيلما بعنوان «الصدمة» تم تصويره في تل أبيب، وسجل خلالها مع عدد من الممثلين الإسرائيليين، وظل هناك عدة أشهر حتى انتهى من الفيلم، وخلال تلك الفترة، تعاون مع منتجين إسرائيليين والإعلام الصهيوني الذي وصفه بـ«الإنسان المتسامح».

وسبب الفيلم حالة بلبلة في لبنان وفلسطين والدول العربية، واتهم القائمون عليه بالتطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي رفضه المخرج، ورغم مرور 4 أعوام على الفيلم، إلا أنه في سبتمبر الماضي، تم إيقاف زياد دويري في مطار بيروت الدولي وإحالته إلى القضاء العسكري، وتم اتهامه بالتعامل مع إسرائيل.

ويتناول فيلم «القضية رقم 23» الحرب الأهلية في لبنان والانتماء الديني، ويبرز قيمة العدالة من خلال المحكمة التي تقام بين الطرفين، وتجري أحداث الفيلم في بيروت، وتبدأ الرحلة من وقوع مشادة بين «طوني» وهو لبناني مسيحي و«ياسر» وهو فلسطيني مسلم يعيش في إحدى مخيمات لبنان، بسبب سقوط مياه متسخة من ماسورة الصرف على رأس الثاني، وتبادلا الشتائم، إلى أن وصل الأمر بالأول إلى رفع قضية في المحكمة لشعوره بالإهانة.

ويبدو الأمر حدثًا عابرًا، لكن الأشياء الصغيرة في بعض الأوقات تتسبب في فتح باب لا يمكن إغلاقه، فبعدما علم «طوني» من لهجة «ياسر» أنه فلسطيني، قاله له «يا ليت شارون أمحاكم عن بكرة أبيكم».. تلك الجملة التي كان لها أثر بالغ على الفلسطيني، ليصل الأمر إلى المحكمة، وتتحول إلى قضية رأي عام يتابعها الآلاف.

ويصل التضخيم الإعلامي للقضية إلى جعل لبنان تقترب من انفجار اجتماعي، ما يدفع طوني وياسر إلى إعادة النظر في أفكارهما المسبقة طوال مسيرة حياتهما، والفيلم يجمع مشاعر مركبة بين الجانب الإنساني والسياسي بلغة فنية سينمائية، كما يسلط الضوء على الحرب الأهلية في لبنان، ويبرز قيمة العدالة من خلال المحكمة التي تقام بين الطرفين.

«القضية رقم 23» من بطولة عادل كرم، ريتا حايك، كميل سلامة، كريستين شويري، والممثل الفلسطيني كامل الباشا، الذي حاز جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي في دورته الأخيرة.

يذكر أن المخرج زياد دويري من مواليد بيروت عام ١٩٦٣، ونشأ إبان الحرب الأهلية، وسافر إلى أمريكا لاستكمال دراسته، وشارك في عدد من الأفلام كمساعد تصوير، إلى أن أخرج فيلمه الطويل الأول «غرب بيروت»، الذي نال شهرة واسعة وإعجاب النقاد وكثيرًا من الجوائز في مهرجانات حول العالم، أتبعه بفيلم «هكذا قالت ليلا».